Oscar Schwartz
902,162 views • 10:56

لدي سؤال. هل يستطيع الكمبيوتر كتابة الشعر؟ هذا سؤال استفزازي. تفكر في إجابة له لمدة دقيقة، وسيتبادر إليك فجأة مجموعة أخرى من الأسئلة مثل: ما هو الكمبيوتر؟ ما هو الشعر؟ ما هو الإبداع؟ ولكن هذه أسئلة يقضي الناس معظم حياتهم في محاولة للإجابة عليها. وليس في محادثة TED واحدة. لذا سنحاولة اتباع منهاج مختلفا.

لدينا هنا قصيدتان. واحدة كتبها إنسان، والأخرى كتبها حاسوب. سأطلب منكم تحديد من كتب كل واحدة منها. لنبدأ:

قصيدة 1: ذبابة صغيرة / ألعاب الصيف، / يدي الطائشة / قد مرت بعيدة. ألست أنا / ذبابة مثلك؟ / أو الفن ليس أنت / رجل مثلي؟

قصيدة 2: يمكن أن نشعر / بالنشاط خلال حياتك / الصباحية / توقف لرؤية، بابا أنا أكره / ليست كل ليلة لبدء / خلاف عظيم (...)

حسنًا انتهى الوقت. أرفعوا أيديكم إن كنتم تعتقدون أن القصيدة 1 كتبها إنسان. حسنًا، معظمكم. رفعوا أيديكم إن كنتم تعتقدون أن القصيدة 2 كتبها إنسان. شجاعة كبيرة منكم، لأن القصيدة الأولى كُتبت من قبل شاعر يدعى وليان بليك. أما الثانية كُتبت بالاستعانة بخوارزمية التي تقوم باستخرج كل الكلام من المستجدات الموجودة على حساب الفيس بوك الخاص بي ومن ثم تعيد كتابتها باستخدام خوارزميات، وفقاً لأساليب سأشرحها لكم لاحقًا. لذا لنقم باختبار آخر. مرة أخرى، لن تحصلوا على وقت كاف لقراءتها، لذا فقط ثقوا بحدسكم.

القصيدة 1: أسد يزأر .. وكلبٌ ينبح.. من مثير للاهتمام / والرئع أن العصفور سيطير ولن/ يزئر أو ينبح. توجد قصص مُشوقة عن الحيوانات في أحلامي وسأغني لهم جميعًا إن لم / أكن مُتعبا أو حزينا.

القصيدة 2: اوه! كنغر، ترتر ، شوكلاتة مشروبات غازية / أنت حقا جميل! لآلئ، / هرمونيكا، العناب، أسبيرين! كل / الأشياء التي لطالما تحدثنا عنها (...)

حسنًا، انتهى الوقت. إذن، إذا تعتقد أن القصيدة الأولى كتبها إنسان ارفع يدك. حسنا. وإذا تعتقد أن القصيدة الثانية كتبها إنسان، ارفع يدك. حسنًا، لدينا تقريا نسبة 50/50 بالمئة. كان أمرًا صعبًا جدا.

الإجابة هي، كُتبت القصيدة الأولى باستخدام برنامج خوارزميات يُسمى "Racter"، والذي تم إنشائه في السبعينات، أما القصيدة الثانية فقد كتبها رجل يُدعى فرانك أوهارا، والذي يصدف أنه من الشعراء المفضلين لدي.

(ضحك)

إذن، ما قمنا به الآن هو اختبار "تورنج" للشعر. تم اقتراح اختبار تورنج لأول مرة سنة 1950 من قبل شاب يدعى آلان تورنج، بهدف الإجابة عن سؤال، هل يمكن للكمبيوتر أن يُفكر؟ يعتقد آلان تورنج إذ كان الكمبيوتر قادرًا على إجراء محادثة مبنية على نص مع إنسان، بمثل هذه الكفاءة حتى أن الإنسان لا يمكنه أن يُميز ما إذا كان يتحدث مع كمبيوتر أو مع إنسان، ثم بذلك يُمكننا أن نقول أن أجهزة الكمبيوتر تتمتع بنسبة ذكاء.

إذن في سنة 2013، قمت أنا وصديقي بينجامين لايرد، بوضع اختبار تورنج للشعرعلى الإنترنت. ويسمى "آلي أو لا"، ويمكنكم أن تقوموا بتجربته بأنفسكم. ولكن بالأساس، هي اللعبة التي لعبناها منذ لحظات. تُقدم لك قصيدة، وأنت لا تدري إن كتبها إنسان أو كمبيوتر وعليك أن تُخمن. وقام الآلاف والألاف من الأشخاص بإجراء هذا الاختبار على الإنترنت، إذ لدينا النتائج.

وماهي هذه النتائج؟ حسنًا، حسب "اختبار التورنج" إذا استطاع كمبيوت خداع إنسان ويكون 30 بالمائة من الوقت إنسان، وهكذا يجتاز اختبار "تورنج" للذكاء. توجد قصائد في قاعدة بيانات "آلي أو لا" خدعت 65 بالمئة من القراء الذين ظنوا أنها كتبت من قبل إنسان. إذن، أعتقد أن لدينا إجابة على سؤالنا. وفقًا لمنطق اختبار "تورنج"، هل يستطيع الكمبيوتر كتابة قصائد شعرية؟ حسنًا، نعم، بالطبع يستطيع. ولكن إذا لم تقتنع بالكامل بهذه الإجابة، فهذا مقبول. وإذا كانت غير مقتنع بالأمر، فهذا مقبول أيضًا لأن هذه ليست نهاية القصّة.

دعونا نقوم بإجراء اختبارنا الثالث والأخير. مرة أخرى، عليك قراءة القصيدة وإخباري أيهما تظن أن كتبت من قبل إنسان.

القصيدة 1: الأعلام الحمراء هي السبب أن الأعلام جميلة. / والشرائط. شرائط من الأعلام / والمواد التي تُرتدى / أسباب من المواد التي تُلبس. (...)

القصيدة 2: الأيل المجروح يقفز للأعلى / لقد سمعت النرجس البري لقد سمعت العلم اليوم / لقد سمعت الصياد يقول،/ "تيس" لكن نشوة الموت وبعدها يكون الفاصل قد انتهى تقريبا. (...)

حسنًا، انتهى الوقت. إذن، ارفع يدك إذا كنت تظن أن القصيدة 1 كتبها إنسان. ارفع يدك إذا كنت تظن أن القصيدة 2 كتبها إنسان. أوو، عدد كبير من الأشخاص. سوف تتفاجؤن كون أن القصيدة الأولى كتابتها شاعر بشري جدا يُدعى "جيرترود شتاين". وتمت كتابة القصيدة الثانية باستخدام برنامج خوارزمياتُ يُدعى RKCP. والآن قبل أن نُكمل، دعوني أوضح لكم بسرعة وبطريقة سهلة، كيفية عمل RKCP. إذن، RKCP هو خوارزمية صُممت من قبل "راي كورزويل"، وهو مدير الهندسة في جوجل وهو من أشد المؤمنين بمجال الذكاء الاصطناعي. إذن، تُعطي RKCP النص الأصلي، إذ أنها تُحلل مصدر النص من أجل معرفة كيفية استخدام اللغة، ثم تُعيد صياغة الكلام لكي يتشابه مع النص الأصلي.

لذا، في القصيدة التي قمتم بقراءتها للتو، القصيدة الثانية، التي اعتقدتم أنها كُتبت من قبل إنسان، تتكون من مجموعة قصائد شعرية كُتبت من قبل شاعرة تُدعى "إميلي ديكنسون" فقد قامت باستيعاب طريقة استخدام اللغة، وتعلمت المنهجية المتبعة، ثم أعادت صياغتها وفقًا لنفس التركيبة. ولكن أهم شيء في RKCP أنها لا تعرف معنى الكلمات المستخدمة. فاللغة هي عبارة عن مواد أولية خامة، يُمكن أن تكون لغة صينية، أو لغة سويدية، يُمكن أن تكون اللغة التي تم جمعها من مُستجدات حسابك على الفايسبوك في يوم واحد. إنها فقط مواد أولية. وعلى الرغم من ذلك، RKCP قادر على كتابة قصيدة تبدو بشرية أكثر من قصائد "جيرترود شتاين" مع العلم أن "جيرترود شتاين" إنسان.

إذن، ما قمنا به هنا، هو إجراء اختبار ترونج بشكل عكسي. إذن، "جيرترود شتاين"، إنسان، قادر على كتابة قصيدة قد خدعت معظم الناس وجعلتهم يظنون أنها كُتبت من قبل كمبيوتر. بالتالي، وفقًا لمنطق اختبار الترونج المعكوس، فإن "جيرترود شتاين" هو كمبيوتر.

(ضحك)

تشعرون بالحيرة؟ أظن أن ذلك عادل.

إلى حد الآن لدينا بشر يكتبون مثل البشر، ولدينا حواسيب تكتب مثل الحواسيب، وحواسيب تكتب مثل البشر، وربما هو الأمر الغريب، إلا أنه هناك بشر يكتبون مثل الحواسيب.

إذن، ما الذي نفهمه من هذا كله؟ هل نعتبر "ويليام بلايك" بطريقة ما أنه أكثر بشرية من "جيرترود شتاين"؟ أو"جيرترود شتاين" يتمتع بميزات كمبيوتر أكثر من "ويليام بلايك"؟

(ضحك)

هذه أسئلة تدور في ذهني منذ حوالي سنتين إلى الآن، وليس لدي أجوبة لها. ولكن ما لدي هو مجموعة من التصورات حول علاقتنا بالتكنولوجيا.

إذن، تصوري الأول، لسبب ما، جمعنا الشعر بصفتنا بشرا. لذلك، عندما نطرح السؤال، "هل يستطيع الكمبيوتر كتابة الشعر؟" فنحن نسأل أيضًا، "ماذا يعني أن نكون بشرا وكيف يمكننا وضع حدود لهذه الفئة؟ كيف نقول من أو ما الذي يمكن أن يكون جزءا من هذه الفئة؟" هذا في الأساس سؤال فلسفي، في نظري، ولا يُمكن الإجابة عنه باختبار نعم أو لا، مثل اختبار تورنج. وأعتقد أيضًا أن "آلان ترونج" فهم هذا، وذلك عندما أنشأ اختباره سنة 1950، فقد كان يقوم بذلك كتحد فلسفي.

وتصوري الثاني كان، عندما جربنا اختبار تورنج للشعر، أننا لم نكن نختبر قدرة الحواسيب لأن خوارزميات إعادة صياغة الشعر، بسيطة جدًا وموجودة تقريبًا منذ الخمسينات. فعلى الأرجح، ما قُمنا به في اختبار الترونج للشعر، يتمثل في جمع الآراء حول ما يُشكل الإنسان. إذن، ما توصلنا إليه، لقد رأينا ذلك في وقت سابق اليوم، ذكرنا أن "ويليام بلايك" أكثر بشرية من "جيرترود شتاين". بالطبع، هذا لا يعني أن "ويليام بلايك" يتمتع بصفة بشرية بشكل أكثر أو أن "جيرترود شتاين" يشبه أكثر جهاز كمبيوتر. وهذا يعني ببساطة أن فئة البشر غير مستقرة. وهذا ما أوصلني إلى فهم أن الإنسان ليس حقيقة صلبة باردة. بل، هو حقيقة تتشكل مع آرائنا وتتغير مع الوقت.

وفي تصوري الأخير، أن الكمبيوتر، نوعا ما، يعمل مثل المرآة أي يعكس كل فكرة في ذهن شخص نقوم بإظهارها. قدمنا له "إميلي ديكنسون"، فأعاد لنا "إميلي ديكنسون". قدمنا له "ويليام بلايك"، وذلك ما أعاد تقديمه لنا. قدمنا له "جيرترود شتاين"، وذلك ما أعاده لنا. أكثر من مجرد شيء في التكنولوجيا، فإن الكمبيوتر مرآة تعكس أي فكرة تخطر على بال إنسان، قمنا بتعليمه إياها.

لذلك، أنا متأكد أن الكثير منكم قد سمع مؤخرًا الكثير حول الذكاء الاصطناعي. وتدور أكثر النقاشات حول هل يُمكننا صنعه؟ هل يمكننا صنع أجهزة كمبيوتر ذكية؟ هل يمكننا صنع أجهزة كمبيوتر مُبدعة؟ والسؤال المتكرر جائما يتمحور حول ما إذا كنا قادرين على بناء كمبيوتر يُشبه الإنسان؟

ولكن ما أدركناه الآن أن الإنسان ليس حقيقة علمية، بل سلسلة من الأفكار التي تتغير دائمًا إضافة إلى تغيرها مع الوقت. إذن، عندما بدأنا بالتمسك بأفكار الذكاء الاصطناعي في المستقبل، فلا يجدر علينا أن نسأل أنفسنا فقط، "هل يُمكنا صنعه؟" بل علينا أن نسأل أنفسنا أيضًا، "ما هي الفكرة البشرية التي نريد أن نعكسها لأنفسنا؟" فهي بالأساس فكرة فلسفية، ولا يمكن الإجابة عنها ببرنامج كمبيوتر لوحده، بل أظن أن ذلك يتطلب لحظة من انعكاس وجودي، على نطاق متنوع وواسع.

شكرا لكم. (تصفيق)