نادين بورك هاريس
4,416,668 views • 15:59

في منتصف سنوات التسعينات كشف مركز السيطرة على الأمراض ومؤسسة كايزر عن تعرض زاد بشكل مأساوي احتمال على سبعة من كل عشرة أسباب مؤدّية للموت في الولايات المتّحدة الجرعات المرتفعة، تؤثر على نمو الدماغ الجهاز المناعي، والأنظمة الهرمونية، وحتى الطريقة التي يقرأ و ينسخ بها حمضنا النووي DNA الأشخاص الذين يتعرضون لها بجرعات عالية جدا يتضاعف ثلاث مرات خطر إصابتهم بأمراض القلب وسرطان الرئة وينقص متوسط أعمارهم بعشرين سنة وحتى الآن، الأطباء ليسوا مدربين اليوم في الفحص أو العلاج الروتيني. الآن، المشكل الذي أتحدث عنه ليس مبيد حشرات أو مواد كيميائية إنها صدمة الطفولة

حسنا، عن أي نوع من الصدمات أتكلم ؟ أنا لا أتكلم عن الفشل في امتحان وخسارة مبارة لكرة السلّة أنا أتكلم عن التهديدات التي كثرت حدّتها وانتشارها التي تتوغّل داخل جلدنا وتغير وظائف أعضاء جسمنا أشياء مثل سوء المعاملة والإهمال أو النشوء داخل بيت يكافح فيه أحد الوالدين ضدّ مرض عقلي أو إدمان المخدّرات

الآن، ولفترة طويلة راقبت هذه الأمور بطريقة كنت قد تدرّبتُ على رؤيتها إمّا كمشكل اجتماعي - الرجوع لخدمات الاجتماعية- أو كمشكل يرتبط بالصحة العقلية - الرجوع لخدمات الصحّة العقلية- ثم حدث أمر جعلني أعيد التفكير في مقاربتي عندما انتهيت من فترة تدريبي، وأردت الذهاب إلى مكان حيث أحِسُّ أن هناك من يحتاجني إلى مكان أستطيع فيه أن أصنع الفرق ولهذا قدِمتُ إلى مركز كاليفورنيا الطبي المحيط الهادئ أحد أفضل المستشفيات الخاصّة في شمال كاليفورنيا ومعاً قمنا بافتتاح مصحّة في - باي فيو هانترز- في أحد أفقر وأكثر أحياء سان فرانسيسكو تهميشا الآن، وقبل هذه النقطة كان هناك طبيب أطفال وحيد في حي -باي فيو- كله لخدمة أكثر من عشرة آلاف طفل بدأنا العمل، وكنّا قادرين على منح أفضل رعاية طبية بغض النظر عن القدرة على دفع المستحقات كان الأمر رائعا، استهدفنا التفاوتات الصحية النموذجية الولوج إلى الرعاية الصحية، معدلات التطعيم معدلات علاج الربو وتجاوزنا كل أرقامنا وشعرنا بالفخر بأنفسنا

ثم بدأت بملاحظة اتّجاه مزعج توجيه الكثير من الأطفال بسبب ADHD أي اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط ولكن عندما قمت بمراقبة معمقة للسجلات والملفات ما وجدته أن أغلب مرضاي لم أستطع أن أقوم بتشخيص لل ADHD أغلب الأطفال الذين عاينتهم عاشوا تجارب صدمات حادة التي تجعلك تحس أن شيئا آخر يجري بشكلٍ ما أغفلت أمراً مهمّاً

الآن، قبل تدريبي حصلت على درجة الماجستير في الصحة العامة، واحدة من الأشياء التي يعلمونها لك في مدرسة الصحة العامة هي أنك إذا كنت طبيباً وترى 100 طفل يشربون من نفس البئر و98 منهم تعرضوا للإسهال يمكنك المضي قدماً وكتابة هذه الوصفة جرعة بعد جرعة بعد جرعة من المضادّات الحيوية أو أن تذهب فوقها وتقول : "ماهذا الجحيم في هذه البئر" ثم بدأت أقرأ كل شيء تقع عليه يدي حول كيف أن التعرض للعنف يؤثر على نمو أدمغة وأجسام الأطفال

وفي أحد الأيام ، دخل زميلي إلى مكتبي وقال: "د. بورك، هل رأيت هذا؟" وفي يده نسخة من دراسة بحثية اسمها دراسة تجارب التعرض للعنف في الطفولة هذا اليوم غيّر ممارساتي السريرية و بشكل أهم مساري المهني

دراسة تجارب التعرض للعنف في الطفولة إنها أمر يجب على الجميع معرفته قام بها الدكتور "فيـنس فيليـتي" من كايزر ود. بوب أندا من مركز السيطرة على الأمراض ومعاً قاما بطرح أسئلة على 175,000 بالغاً حول قصصهم في التعرض لما يسمى "تجارب التعرض للعنف في الطفولة" أو ACE وتشمل العنف الجسدي والعاطفي أو الانتهاك الجنسي أو الإهمال الجسدي أو العاطفي المرض العقلي للوالدين، إدمان المخدّرات، السجن اتفصال الوالدين أو الطلاق العنف المنزلي في كل إجابة ب"نعم" يحصل المتطوع على نقطة في نتيجة ACE وهذا ما كانا يفعلانه ثم يربطان نتيجة ACE بالنتائج الصحيّة وما وجداه كان لافتا للنظر أمران: الأول : نتائج ACE متقاربة بشكل لا يصدّق 67% من المتطوعين لديهم على الأقل نقطة ACE واحدة 12,6% أي واحد من كل ثمانية أشخاص لديهم على الأقل 4 نقط ACE الأمر الثاني الذي وجداه هو أن هناك علاقة جرعة واستجابة بين ACE والنتائج الصحية كلما زادت نقط ACE كلما كانت النتائج الصحية أسوأ بالنسبة لشخص لديه أربع نقط ACE أو أكثر مخاطرها المتصلة بأمراض الانسداد الرئوي المزمن تتضاعف مرتين ونصف مقارنة بشخص لديه صفر نقطة ACE وبالنسبة لالتهاب الكبد تتضاعف مرّتين ونصف أيضا الكآبة اربع مرّات ونصف بالنسبة للانتحار كانت 12 مرة وشخص لديه سبع نقط ACE أو أكثر معرض ثلاث مرات لخطر الأصابة بسرطان الرئة وثلاث مرات ونصف لمرض القلب الإقفاري أول سبب للوفيات في الولايات المتحدة الأمريكية

بالطبع هذا الأمر يبدو معقولا تماما بعض الناس يرون هذه المعلومات ويقولون: "هيّا، لقد عشت طفولة قاسية كنت أكثر عرضة للشرب والتدخين وتفعل كل هذه الأشياء التي ستدمّر صحّتك إنها ليست علماً إنها فقط تصرف سيئ

اتضح أنّ هذا هو بالضبط حيث يأتي العلم فيما بعد الآن نفهم أفضل من السابق كيف أن التعرض المبكر للعنف يؤثر على نموّ أدمغة وأجسام الأطفال وتؤثر على مناطق كالنواة المتكئة مركز السعادة و المكافأة في الدماغ التي تورطت في إدمان المخدّرات ويمنع قشرة الفصّ الجبهي الضرورية للسيطرة على الانفعالات والوظائف التنفيذية المنطقة الحساسة للتعلّم وفي فحوصات الرنين المغناطيسي نرى فرقا واضحا في اللوزة الدماغية مركز الاستجابة للخوف في الدماغ ولذلك هناك أسباب عصبية حقيقية لماذا يعتبر الأشخاص المتعرضون للعنف بجرعات كبيرة هم أكثر عرضة للانخراط في السلوكيات عالية المخاطر وهذا مهم لنعرفه

ولكن اتضح أنه حتى لو كنت لا تنخرط في أي سلوكيات عالية المخاطر فأنت لا تزال معرضا للإصابة بأمراض القلب والسرطان والسبب في هذا له علاقة بمحور الغدة النخامية، الغدة الكظرية وهو نظام الاستجابة للتوتر في الدماغ والجسم الذي يحكم تجاوبنا مع التهديدات والمشاكل كيف تعمل ؟ حسناً، تخيّل أنك تتنزه في الغابة ورأيت دُبّـاً على الفور، سيرسل المهاد (hypothalamus) إشارة إلى غدّتك النخامية التي ترسل بدورها إشارة إلى غدّتك الكظرية تقول فيها: "الافراج عن هرمونات التوتر! الأدرينالين! الكورتيزول! " وهكذا سيبدأ قلبك يخفق بشدّة ويتسع بؤبؤ عينك و تفتح مجاريك التنفسية فتكون مستعداً إما للمواجهة الدّب أو الهرب منه وهذا شيء مذهل هذا إذا كنت في غابة وهناك دبّ (ضحك) ولكن المشكل يحصل إذا كان الدّبّ يأتي إلى البيت كلّ ليلة وبتم تنشيط هذا الجهاز أكثر وأكثر وأكثر مراراً وتتغير من كونها للتكيف والحفاظ على الحياة لتصبح ضدّ التكيف ومدمّراً للصحة الأطفال حساسون بشكل ٍ خاص لهذا التنشيط المتكرر للتوتر لأن أدمغتهم وأجسامهم في طور التكوين الجرعات المرتفعة من العنف لا تؤثر فقط في بنية الدماغ ووظائفه بل تؤثر في نمو الجهاز المناعي نمو الأنظمة الهرمونية وحتى الطريقة التي يقرأ وينسخ حمضنا النووي DNA

بالنسبة لي، هذه المعلومة جعلتني أرمي تدريباتي السابقة من النافذة لأننا عندما نفهم آليّة مرض ما عندما نعرف ليس فقط أي مسارات تعطّلت، ولكن أيضاً كيف، وكأطِبّاء فإنّ عَمَلَنا أن نستعمل هذا العلم للوقاية والعلاج وهذا ما نفعله

في سان فرانسيسكو، أنشأنا "مركز صحة الشباب" لوقاية وفحص و علاج مخلفات العنف ضد الأطفال (ACE) والتوتر السام بدأنا ببساطة مع الفحص الروتيني كل واحد من أطفالنا في قدراتهم البدنية العادية، لأنني أعلم أنه إذا كان مجموع نقط ACE لمريضي يتجاوز 4 نقط ترفع مرتين ونصف احتمال الإصابة التهاب الكبد أو مرض الانسداد الرئوي المزمن، إنها أربعة ونصف أضعاف احتمال الاصابة بالاكتئاب يرتفع احتمال الانتحار 12 مرة مقارنة مع مريض آخر رصيده صفر نقطة ACE أعلم أنها عندما تكون في غرفة الفحص بالنسبة لمرضانا الذين تكون نتيجة فحصهم إيجابية لدينا فريق معالجة متعدد التخصصات يعمل على تقليل جرعة العنف وعلاج الأعراض باستخدام أفضل الممارسات بما في ذلك الزيارات المنزلية، وتنسيق الرعاية، الرعاية الصحية النفسية، والتغذية التدخلات الشاملة، ونعم، الدواء عند الضرورة. ولكن قمنا أيضا بتوعية الآباء حول تأثيرات العنف في الطفولة والتوتر الحاد وبنفس أهميّة تغطية المنافذ الكهربائية، أو التسمم بالرصاص ثم أسسنا لرعاية مرضانا المصابين بالربو ومرض السكري بطريقة ندرك أنها قد تحتاج إلى علاج أكثر عدوانية نظرا للتغيرات في الأنظمة الهرمونية والجهاز المناعي.

وبالتالي فإن الشيء الآخر الذي يحدث عند فهم هذا العلم هو أنك تريد أن تصرخ به من فوق أسطح المنازل لأن هذه ليست مجرد قضية للأطفال في - باي فيو- تطلّعتُ إلى تلك اللحظة التي يسمع فيها كل شخص آخر بهذا سيكون الفحص الروتيني، فرق معالجة متعددة التخصصات، وسيكون سباق نحو أكثر بروتوكولات العلاج السريري فعالية. نعم. لكن هذا لم يحدث وكان ذلك درسا عظيما لي ما كنت أعتقد أنه ببساطة أفضل الممارسات السريرية الآن أنا أفهم ما معنى أن تكون حركة على حد قول الدكتور روبرت بلوك الرئيس السابق للأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال "تجارب العنف ضد الطفولة هي إحدى أخطر التهديدات غير المعالجة على الصحة العامة التي تواجه أمتنا اليوم" وبالنسبة للكثير من الناس، هذا مخيف نطاق وحجم المشكلة يبدو كبيرا بحيث يشعرك أنه يغمرك لنفكر كيف يمكننا وضع مقاربة له ولكن بالنسبة لي، هذا هو الواقع حيث تكمن الآمال لأن عندما يكون لدينا الإطار الصحيح عندما نعترف أن هذه أزمة صحة عامة وبعد ذلك يمكننا البدء في استخدام الأدوات الصحيحة من أجل التوصل إلى حلول من التبغ إلى التسمم بالرصاص إلى فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز الولايات المتحدة تملك حاليا سجلا قويا مع معالجة مشاكل الصحة العامة لكن تكرار تلك النجاحات مع إدخالACE (تجارب العنف في الطفولة) والتوتر الحاد سيصبح قراراً والتزاماً وعندما أنظر إلى مدي تجاوب أمّتنا أستغرب لماذا لم نأخذ الأمر على محمل الجدّ ؟

تعلمون، في البداية ظننت أننا وضعنا القضية على الهامش لأنها لا تنطبق علينا. وهذا يمثل مشكلة بالنسبة لهؤلاء الأطفال في تلك الأحياء. وهذا غريب، لأن البيانات لا تؤكد ذلك الذراسة الأصلية حول تجارب العنف في الطفولة -ACE- تمت على متطوعين 70% منهم قوقازيون 70٪ منهم تلقوا تعليما جامعيا ولكن بعد ذلك، كلما تحدثت أكثر إلى الناس بدأت أعتقد أنني ربما أتراجع إلى الوراء إذا كان لي أن أسأل كم عدد الناس في هذه القاعة نشأ مع أحد أفراد الأسرة الذين عانوا من مرض عقلي، أراهن أن قليلا من الأيدي سترتفع ثم إذا كان لي أن أسأل كم شخصا كان أحد والديه يشرب ربما أكثر من اللازم أو من يعتقد حقاً أنك إذا تخليت عن العقاب ستفسد الولد أراهن أن بضعة أيدي أخرى سترتفع حتى في هذه القاعة. إنها قضية تمس العديد منّا وأنا بدأت أعتقد أننا همّشنا القضية لأنها تنطبق علينا ربما لأنه من الأسهل رؤيتها موجهة للآخر لأننا لا نريد النظر إليها بالأحرى نحن مرضى

لحسن الحظ، التقدم العلمي وبصراحة، الحقائق الاقتصادية جعل هذا الخيار أقل قابلية للحياة كل يوم. العلم واضح التعرض للعنف في وقت مبكر يؤثر بشكل كبير على الصحة مدى الحياة اليوم، نحن بدأنا نفهم كيف نوقف التقدم من التعرض المبكر للعنف إلى الأمراض والموت المبكر و ثلاثون سنة من الآن الطفل الذي لديه رصيد عالٍ من نقط ACE والذي تظهر أعراضه السلوكية غير المعترف بها، ولديه علاج ضدّ الربو غير مرتبط ويصاب بارتفاع الضغط الدموي وأمراض القلب المبكرة أو السرطان سوف يكون مجرد ظاهرة غير عادية كالوفاة بعد ستة أشهر من فيروس نقص المناعة/الإيدز والناس سوف ينظرون إلى هذا الوضع ويقولون: "ماذا يحدث هناك؟" يمكن علاج هذا الأمر يمكن التغلب عليه وأهم شيء نحن بحاجة له اليوم هو الشجاعة لننظر إلى هذه المشكلة في الوجه والقول: هذا حقيقي وهذا هو كل واحد منا أعتقد أننا الحركة

شكراً لكم

(تصفيق)