كيلي سوازي
1,596,586 views • 13:54

أعتقد أنه لا ضير في قول، أن "كل البشر سوف يألفون فكرة الموت" على الأقل مرة واحدة في حياتهم ! و لكن، ماذا لو بدأت تلك الألفة بالتنامي قبل أن يحين موعد الإنتقال الى العالم الاخر بفترة طويلة من الحياة الى الموت؟ كيف ستكون الحياة تحت هذا النهج؟ إذا عاش الميت بجانبك و بكل ما تعنيه الكلمة

.. في موطن زوجي عند أعالي جزيرة سولاوسي في شرقي اندونيسيا هنالك مجتمع يعيش تجربة الموت ليس كتجربة فردية.. و إنما في إطار مجموعة من الأفراد في تانا توراجا اللحظات الأكثر أهمية في جانب التواصل بين أولئك الناس نقاط التركيز في التفاعل الاجتماعي و الثقافي ليس في الأعراس أو أعياد الميلاد حتى إلتفاف العائلة حول مائدة الطعام و إنما المآتم إذاً فهذه المآتم قد مُيزّت بطقوس ذات تفاصيل دقيقة و كفيلة بإبقاء الناس في موالاة متبادلة بين بعضهم البعض وهي مبنية على حصيلة الحيوانات خنازير و دجاج و الأهم بين هذه الحيوانات (جاموس الماء) التي سوف تقدم كقرابين، و من ثَم ستفرّق بين الناس على روح الفقيد (المتوفى) إذاً فهذه الثقافة المعقدة تحيط بالموت أساسيات طقوس نهاية الحياة قد جعلت من مفهوم الموت مفهومًا طاغيًا على هذه الثقافة و علامة بارزة لطبيعة التوراجا تنتشر و بإستمرار لأيام قليلة أو لأسابيع، تكون إحتفالات المأتم صاخبة حيث يحيون فيها ذكرى الميت تشبه المناسبات الحزينة الخاصة وإنما هي أقرب لمشاركة إنتقالية العامة وأيضًا، هي فترة انتقالية تكون أقرب الى تجسيد مفهوم الحياة بينما هي في الأصل إحياء لذكرى أحدهم

ففي كل عام، الآلاف من الزوار يأتون الى تانا توراجا ليشهدوا هذه الإحتفالات الجنائزية، و يعتبرها الكثير من الناس شعائرٌ فخمة أما فترة الإحتفالات فهي نوعا ما غير متناسبة مع الطريقة التي نواجه بها الوفاة في الغرب حتى و إن كنا نتشارك الموت كتجربة عالمية، فنحن لا نختبرها بنفس الطريقة مع باقي العالم و بإعتباري عالمة أنتروبولوجيا، أرى هذه الإختلافات في التجربة تتجذر في العالمين الثقاقي و الإجتماعي الذي من خلالهم نحدد الظواهر التي تحيط بنا. و بالتالي حيث أننا نرى الموت واقعا لا شك فيه، كحالة بيولوجية لا يمكن دحضها، التوراجيون ( نسبة إلى توراجا ) يرون الشكل الجسدي المنتهي الصلاحية كجزء من نشأة إجتماعية أوسع. لذلك مجددا، التوقف الجسدي للحياة ليس هو نفسه كما الموت. في الواقع، العضو في المجتمع يكون ميتا حقا فقط عندما تتفق الأسرة الممتدة على ذلك وتحشد الموارد اللازمة لإقامة مراسم التشييع التي تعتبر مناسبة من حيث الموارد لمكانة المتوفى. وهذه المراسم يجب أن تقام أمام أعين المجتمع كله و بمشاركة الجميع.

و هكذا بعد وفاة الشخص جسديا، يتم وضع جسده في غرفة خاصة في الإقامة التقليدية، التي تسمى تونجكونان. و التونجكونان هو رمزي ليس فقط لهوية العائلة بل أيضا لدورة حياة الإنسان من المهد إلى اللحد. لذلك أساسا، شكل المبنى الذي ولدت فيه هو شكل الهيكل الذي يحملك لمثوى أجدادك. إلى أن تقام مراسم الجنازة، والتي يمكن أن تعقد سنوات بعد الوفاة الجسدية للشخص، يشار للمتوفى بإسم "تو ماكالا" شخص مريض، أو "تو ماما" شخص نائم، و يبقى عضوا في الأسرة. يتم إطعامهم رمزيا ورعايتهم، والأسرة في هذا الوقت ستبدأ عددا من الطقوس الإحترازية، التي تبلغ إلى المجتمع الأوسع من حولهم أن واحدا من أعضائها يخضع للتحول من هذه الحياة إلى الآخرة المعروفة بإسم پويا.

أنا أعرف في ماذا سيفكر بعض منكم في الوقت الحالي. هل هي حقا تقول إن هؤلاء الناس يعيشون مع جثث أقاربهم الأموات؟ وهذا هو بالضبط ما أقوله.

ولكن بدلا من الاستسلام لهذا النوع من رد الفعل الغريزي هذه الفكرة عن القرب من الجثث، القرب من الموت، أو كيف أن هذا المفهوم لا يتناسب مع النوع البيولوجي و الطبي من تعريف الموت، أحب أن أفكر حول طريقة التوراجيين في رؤية الموت و هي تشمل التجربة الإنسانية التي يتركها التعريف الطبي جانبا. أعتقد أن التوراجيين يعترفون إجتماعيا ويعربون ثقافيا عن ما يشعر به العديد منا على أنه صحيح على الرغم من القبول الواسع النطاق للتعريف الطبي الحيوي للموت، وأن علاقاتنا مع البشر، و تأثيرهم على الواقع الاجتماعي لدينا، لايتوقف مع إنتهاء العمليات الفيزيائية في الجسم، أن هناك فترة انتقالية بينما العلاقة بين الأحياء والأموات تتحول لكن لم تنته. لذلك فإن التوراجيون يعبرون عن فكرة هذه علاقة دائمة بواسطة السخاء في الحب والإهتمام تجاه الرمز الأكثر وضوحا من تلك العلاقة، جسم الإنسان. زوجي لديه ذكريات جميلة في التحدث إلى واللعب مع و عموما التواجد حول جده المتوفى، وبالنسبة له ليس هناك شيء غير طبيعي حول هذا الموضوع. هذا جزء طبيعي من عملية حيث تتوصل الأسرة إلى تفاهم مع التحول في علاقتها مع المتوفى، وهذا هو الإنتقال من العلاقة مع الميت بإعتباره الشخص الذي يعيش إلى علاقة معه بأنه شخص من السلف. وهنا يمكنك أن ترى هذه الدمى الخشبية للأسلاف، إذن هؤلاء هم ناس تم من قبل دفنهم، و حصلوا على مراسم التشييع. هؤلاء يسمون "تاو تاو".

وبالتالي فإن مراسم الدفن نفسها تجسد هذا المنظور العلائقي في الموت. فإنها تعطي طابعا شعائريا لأثر الموت على الأسر والمجتمعات المحلية. وإنها أيضا لحظة من الوعي الذاتي. إنها لحظة عندما يفكر الناس في حقيقتهم، مكانهم في المجتمع، ودورهم في دورة الحياة وفقا لعلم الكونيات الطوراجي.

هناك قول مأثور في توراجا أن جميع الناس سوف يصبحون أجدادا، وما يعنيه هذا هو أنه بعد الموت، أننا جميعا نصبح جزءا من الخط السلفي الذي يربطنا بين الماضي والحاضر وسيحدد ماذا سيصبح أحبائنا في المستقبل. لذلك أساسا، نحن جميعا نصبح أجدادا لأجيال من الأبناء التي يأتون بعدنا. وهذا التشبيه للعضوية في أكبر أسرة بشرية هي الطريقة التي يصفها الأبناء أيضا الأموال التي يستثمرونها في هذه الجواميس التي تعتبر قربانا و التي يعتقد أن تحمل روح الناس من هنا إلى الآخرة، وسوف يشرح الأبناء أنهم سوف يستثمرون الأموال في هذا لأنهم يريدون أن يسددوا لأبائهم الدين الذي صرفه والديهم طوال سنوات في الإستثمار فيهم ورعايتهم.

ولكن التضحية بالجاموس وطقوس عرض الثروة أيضا تعرض وضع المتوفى، وإستطرادا، أسرة المتوفى. حتى في الجنازات، أكدت العلاقات و تحولت أيضا في طقوس درامية التي تبرز الميزة الأكثر بروزا عن الموت في هذا المكان: تأثيرها على الحياة والعلاقات المعيشية.

لذلك كل هذا التركيز على الموت لا يعني أن التوراجيين لا يطمحون إلى مثل أعلى للحياة طويلة. يخوضون في العديد من الممارسات يعتقد أن تمنح صحة جيدة والبقاء على قيد الحياة لسن متقدمة. لكنهم لا يضعون الكثير من المال في الجهود الرامية إلى إطالة أمد الحياة في مواجهة المرض الموهن أو في سن الشيخوخة. ويقال في توراجا أن الجميع لديه نوعا ما كمية محددة سلفا من الحياة. تسمى السونجا. و كخيط في لولب الخيوط، ينبغي أن نكون قادرين على فكه إلى نهايته الطبيعية.

لذلك من خلال وجود الموت كجزء من النسيج الثقافي والاجتماعي للحياة، القرارات اليومية للناس حول صحتهم والرعاية الصحية تتأثر . بطريرك العشيرة الأم لزوجي، "نينيت كاتشا" الآن يقترب من سن 100، بقدر ما يمكننا أن نحزر. وهناك مؤشرات متزايدة أنه على وشك المغادرة في رحلته الخاصة لبويا. و وفاته سيتم نعيها إلى حد كبير. لكنني أعرف أن عائلة زوجي تتطلع إلى اللحظة عندما يمكنهم عقائديا عرض ما يعني لهم وجوده الملحوظ في حياتهم، عندما يمكنهم إعادة سرد سيرة حياته عقائديا، نسج قصته في تاريخ مجتمعهم. قصته هي قصتهم. أغاني جنازته سوف تغني لهم أغنية عن أنفسهم. وهي قصة لا يوجد لديها بداية ملحوظ، و لا نهاية منظورة. إنها قصة تطول فترة أطول من أكثر من جسمه .

يسألني الناس إذا أنا خائفة أو مشمئزة من خلال المشاركة في ثقافة حيث المظاهر المادية للوفاة تحيينا في كل مرة. ولكنني أرى شيئا عميقا متحولا في تجربة الموت كعملية اجتماعية و ليست مجرد عملية بيولوجية. في الواقع، العلاقة بين الأحياء والأموات لديها الدراما الخاصة بها في نظام الرعاية الصحية الامريكي، حيث القرارات حول كيف إطالة تمدد خيط الحياة مصنوعة إستنادا إلى الروابط العاطفية و الإجتماعية مع الناس من حولنا، ليس فقط على قدرة الطب على إطالة أمد الحياة. نحن، كالتوراجيين، نؤسس قراراتنا عن الحياة على المعاني والتعاريف التي ننسبها إلى الموت.

لذلك أنا لا أقترح أن أي شخص في هذا الجمهور يجب أن يمضي و يتبنى تقاليد التوراجيين. قد يكون من الصعب قليلا لتجريبها في الولايات المتحدة. ولكن أريد أن أسأل ما يمكننا كسب من رؤية الموت الجسدي ليس فقط بإعتباره عملية بيولوجية ولكن كجزء من قصة الإنسان الكبرى. ما من شأنه أن يكون مثل النظر في شكل الإنسان المنتهي الصلاحية بحب لأنه بشكل وثيق جدا جزء منا نحن جميعا؟ إذا ما تمكنا من توسيع تعريفنا للوفاة ليشمل الحياة، يمكننا أن نواجه الموت كجزء من الحياة وربما نواجه الموت بشيء آخر غير الخوف. ربما يكون واحدا من الأجوبة على التحديات التي تواجه نظام الرعاية الصحية الإمريكي، ولا سيما في رعاية نهاية الحياة، هو بسيط مثل التحول في المنظور، والتحول في المنظور في هذه الحالة سيكون لإلقاء نظرة على الحياة الاجتماعية لكل حالة وفاة. قد تساعدنا على إدراك أن الطريقة التي تحد من حديثنا عن الموت لشيء يكون طبيا أو بيولوجيا هو إنعكاس لثقافة أكبر نشتركها جميعا تجنب الموت، والخوف من الحديث حول هذا الموضوع. لو إستطعنا ترفيه وتقييم أنواع أخرى من المعرفة عن الحياة، بما في ذلك التعاريف الأخرى للموت، فلديها القدرة على تغيير المناقشات التي لدينا عن نهاية الحياة. يمكن أن تغير الطريقة التي نموت بها، ولكن الأهم من ذلك، يمكن أن تغير الطريقة التي نعيش فيها.

(تصفيق)