براين غرين
4,832,561 views • 19:06

في العام 1919، اقترح عالم رياضيات ألماني مغمور يدعى تيودور كلوتزة اقترح فكرة غاية في الجرأة، و بالأصح، غاية في الغرابة. اقترح أن كوننا هذا قد يحتوي على ما هو أكثر من الأبعاد الثلاثة التي ندركها جميعنا. أبعاد أخرى تضاف الى الأبعاد المألوفة، طول، عرض، ارتفاع، اقترح كلوتزة بأنه ربما يكون ثمة أبعاد إضافية للمكان و لسبب ما لا نراها بعد. الأن، عندما يقوم شخص بطرح فكرة جريئة و غريبة، أحيانا تكون هذه هي — مجرد فكرة جريئة و غريبة، و لكن لا علاقة لها بالعالم من حولنا. و لكن، هذه الفكرة، بالتحديد — وبالرغم من أننا لانعلم بعد مدى صحتها، وفي نهاية المحاضرة، سأناقش تجربة علمية، و التي من المحتمل أن تثبت فيما إذا كانت هذه الفكرة صحيحة أم لا في غضون السنوات القادمة — إلا أن لهذه الفكرة أبلغ التأثير في الفيزياء خلال القرن الأخير و لازالت تكشف الكثير من خلال الأبحاث الدقيقة الجارية.

لذلك أود أن أخبركم شيئا عن قصة هذه الأبعاد الإضافية. أذن أين نمضي؟ كبداية، لابد من معرفة القليل عن خلفية هذه القصة. بالعودة إلى العام 1907. حيث كان أينشتاين يتوهج شهرة لإكتشافه النظرية النسبية الخاصة و قراره أن يواصل تقدمه في مشروع جديد — في محاولة منه لفهم القوى الشاملة و النافذة للجاذبية. في تلك المرحلة، كان هنالك الكثير ممن إعتقد بأن المشروع قد إكتمل و حلت المعضلة. فقد قام العالم نيوتن بوهب العالم نظريته في الجاذبية في أواخر 1600 حيث كانت النظرية أنذاك ممتازة، في شرحها لحركة الكواكب، لحركة القمر و غيرها، لحركة سقوط التفاح من على الأشجار، المشكوك في صحتها مصطدمة برؤوس الناس. كل ذلك تم شرحه باستخدام نظرية نيوتن في الجاذبية.

و لكن أينشتاين أدرك أن نيوتن قد أغفل شيئا في نظريته، لأنه حتى نيوتن نفسه كان قد كتب أنه و بالرغم من فهمه لكيفية حساب تأثير الجاذبية، إلا كان غير قادر على فهم كيفية عملها فعلا. كيف للشمس، التي تبعد 93 مليون ميل عن الأرض، أن تؤثر في حركة هذه الأخيرة؟ كيف لتأثير الشمس أن يصل بعيدا، عبر فضاء فارغ و خال، ليطبع تأثيره هناك؟ و هذه هي المهمة التي خصص أينشتاين نفسه لأجلها — ليدرك حقيقة عمل الجاذبية. دعوني هنا أريكم ما توصل إليه أينشتاين. إكتشف أينشتاين بأن الوسط الذي ينقل قوة الجاذبية هو الفراغ نفسه. الفكرة تبدو كما يلي: تخيل أن الفراغ هو عبارة عن طبقات يتواجد عليها كل شي في الكون.

حيث قال أينشتاين بأن الفضاء مستو و أملس، في غياب وجود المادة. و لكن في وجود جسم مادي في المحيط، كالشمس، فإنها تسبب إنحناء و تقوسا في الفراغ . و هذا ما يجعل الجاذبية تمتد في الفراغ. حتى أن الأرض تحني الفراغ حولها. الآن أنظر إلى القمر. حسب هذه الأفكار، فإن القمر أسير في مدار، لأنه يتدحرج في واد محفور في البنيان المقوس المنحني و الذي تشكل بسبب وجود الشمس و القمر و الأرض في الفراغ. لننتقل إلى إطار المشهد كاملا. الأرض نفسها أسيرة في مدار لأنها تتبع تقعرا في الفراغ بسبب تواجد الشمس. و بهذا، تكون هذه هي الفكرة الجديدة عن كيفية عمل الجاذبية.

هذه الفكرة إختبرت عام 1919 من خلال الرصودات الفلكية. و هي صحيحة فعلا، حيث أوضحت البيانات. و هذا ما أكسب أينشتاين الشهرة حول العالم. و هذا ما استرعى إهتمام كلوتزة. فقد كان كلوتزة كما كان أينشتاين، منهمكا في البحث بما نسميها "نظرية الحقل الموحد." و هي عبارة عن نظرية واحدة جامعة من المحتمل أن تكون قادرة على وصف جميع القوى في الطبيعة من خلال مجموعة من الأفكار، مجموعة واحدة من المبادئ، أو من خلال معادلة رئيسية واحدة، إذا كنتم ترغبون بهذه التسمية. لذلك، فقد قال كلوتزة في قرارة نفسه، أينشتاين استطاع شرح الجاذبية بوصف الفراغ بنيان قابل للتعقر و الإنحناء — في الواقع الفراغ المكاني الزماني، توخيا للدقة. يمكن أن أعزف على نفس الوتر، فيما يتعلق بالقوة الأخرى المعروفة، والتي، كانت تعرف حينذاك، بالقوة الكهرومغناطيسية — نحن نعلم بوجود قوى أخرى الآن، و لكن في ذلك الوقت كانت تلك القوة الوحيدة التي استرعت إهتمام الناس. تعلمون، أن هذه القوة هي المسؤولة عن التجاذب الكهربائي و المغناطيسي و إلى ما هنالك.

و لذلك قال كلوتزة قد أمضي على نفس المنوال لأصف القوة الكهرومغناطيسية على شكل تقعر و انحناء. ما يبرز سؤالا هنا: في أي وسط سيكون هذا التقعر و الإنحناء؟ أينشتاين كان قد استخدم الفضاء الزمكاني مسبقا، على شكل إنحناء و تقعر، لشرح الجاذبية. لايبدو أن ثمة وسط آخر لينحني و يتقعر. لذلك فقد قال كلوتزة، حسن، ربما يوجد أبعاد إضافية أكثر للفراغ. حيث قال: إن كنت أريد شرح قوة إضافية أخرى، ربما أحتاج لبعد إضافي آخر. لذلك، فقد تخيل أن الفراغ له أربعة أبعاد، لا ثلاثة، و تخيل أن القوة الكهرومغناطيسية ما هي إلا إنحناء و تقعر في ذلك البعد الرابع. و هنا المهم: عندما قام باستنتاج المعادلة التي تصف هذا الإنحناء و التقعر في كون ذو أربعة أبعاد، و ليس ثلاثة، حصل على المعادلة القديمة التي إشتقها أينشتاين مسبقا، في الأبعاد الثلاثة — و التي خصصت للجاذبية — ولكنه حصل على معادلة إضافية بسبب البعد الإضافي الآخر، و حالما نظر إلى المعادلة. أدرك أنها لم تكن إلا تلك المعادلة التي عرفها العلماء لفترة طويلة، و التي تصف القوة الكهرومغناطيسية. مدهش — كيف انبثقت بتلك الطريقة. و قد كان شديد الحماس بهذا الإكتشاف لدرجة أنه أخذ يجوب منزله راكضا، مصيحا "وجدتها!" — لعلمه بأنه إكتشف نظرية المجال الموحد.

من الواضح، أن كلوتزة كان رجلا نظريا بحتا. في الواقع — هنالك قصة تروى عنه، أنه عندما أراد أن يتعلم السباحة، قام بقراءة كتاب، مقالة في السباحة — (ضحك) — و من ثم غطس في المحيط. هذا نوع من الأشخاص الذين يعتمدون على النظريات في حياتهم. و لكن بالنسبة للبعض منا ذوي التفكير العملي فإن، سؤالين سيطرحان مباشرة نتيجة هذه المقاربة. السؤال الأول: إن كان بالفعل ثمة أبعاد أكثر، فأين هي؟ لا يبدو أننا قادرين على رؤيتها. و السؤال الثاني: هل هذه النظرية تتحقق فعلا عندما يتم تطبيقها على أرض الواقع، عندما نحاول إسقاطها على العالم من حولنا؟ السؤال الأول تمت الإجابة عليه في عام 1926 من قبل زميل يدعى أوسكار كلاين. حيث أشار بأن الأبعاد يكمن أن تتشكل في نمطين مختلفين — إذ هنالك أبعاد كبيرة، و التي تسهل رؤيتها، و من جهة أخرى هنالك أبعاد غاية في الضآلة، ملتوية ملتفة على بعضها، ملتفة بشكل دقيق جدا، و بالرغم من أنها حولنا في كل مكان، إلا أننا لا نستطيع رؤيتها.

دعوني أوضح لكم هذا الأمر بصريا. تخيلوا أنكم تنظرون إلى جسم ما كالسلك الذي يدعم إشارة المرور الضوئية. في منطقة منهاتن، أنت في (سنترال بارك) — خرجنا من الموضوع قليلا — و لكن هذا السلك يبدو أحادي البعد من المسافة التي ننظر إليه، و لكن أنت و أنا جميعنا نعلم أن هذا السلك له سماكة. من الصعوبة بمكان رؤيتها، من هذه المسافة البعيدة. و لكن إن توجهنا مقتربين منه، لرؤيته من وجهة نظر، لنقل، نملة صغيرة تتجول في محيط السلك — النملات صغيرات الحجم جدا لدرجة أنه بمقدورها الوصول لجميع الأبعاد — البعد الكبير (الطولي)، و أيضا البعد الصغير (الملتف)، ذو الإتجاه الدوراني، مع أو بعكس إتجاه عقارب الساعة. و أتمنى أن تقدروا هذا الذي ترون. فقد استغرق منا الكثير من الوقت لدفع هذه النملات للقيام بذلك.

(ضحك)

و لكن ما رأيتموه يوضح حقيقة أن الأبعاد يمكن أن تكون ذات نوعين: كبيرة و صغيرة. و الفكرة المطروحة هنا أن الأبعاد الكبيرة حولنا ربما تكون الأبعاد التي يسهل علينا رؤيتها، و لكن ربما يوجد أبعاد إضافية أخرى ملتوية و ملتفة، كنوع ذلك البعد الدوراني الملتف للسلك، و هي غاية في الضآلة إلى درجة أنها بقيت حتى الآن غير مرئية. دعوني أريكم كيف قد تبدو عليه هذه الأبعاد. إذن، إن ألقينا نظرة، لنقل، على الفضاء المكاني نفسه — بالطبع، يمكنني أن أريكم عرضا، على شاشة ذات بعدين. بعضكم سوف يطور تقنية لتجاوز هذا الأمر يوما ما، و لكن كل ما هو ليس بمسطح على الشاشة يعد بعدا جديدا، البعد يصغر، و يصغر، و يصغر، و في النهاية، في عمق سحيق شديد الضآلة و الصغر في الفراغ نفسه — تبدو الفكرة على النحو التالي: يمكن أن يكون هنالك أبعاد إضافية ملتوية.

هنا شكل دائري صغير — و هذه الأبعاد شديدة الصغر لدرجة أنها مستعصية على الرؤية. و لكن إن بدونا على شكل نملة شديدة الضآلة تتجول في المكان، فسيكون بقدورنا أن نتجول في البعد الكبير الذي ندركه جميعنا — و الذي يبدو هنا في الجزء المخطط — و لكنك أيضا سيكون بمقدورك الوصول إلى البعد الملتف الصغير و الذي لايمكن رؤيته لا بالعين المجردة لضآلة حجمه و لا حتى بأدق الأجهزة التي نستخدمها الآن. و لكن ما إن نبحر عمقيقا في النسيج المكاني الفراغي نفسه، فإن الفكرة تقول بإمكانية وجود أبعاد إضافية، كما لاحظنا. هذا شرح لكيفية أن الكون قد يحتوي على أبعاد إضافية أكثر مما نراه. و لكن ماذا بشأن السؤال الثاني الذي طرحته: هل تتحقق هذه النظرية فعلا عندما نحاول تطبيقها على أرض الواقع؟

حسنا، هذا يعود بنا إلى عصر أينشتاين و كلوتزة و غيرهم الكثير حيث عملوا جاهدين على بلورة هذه الرؤية و تطبيقها على الفيزياء الكونية كما كانت مفهومة في ذلك العصر، و لكنها لم تتحقق فعلا في تفاصيلها. في تفاصيلها، على سبيل المثال، لم يتمكن العلماء من الحصول على كتلة الإلكترون بما ينسجم مع هذه النظرية. و العديد قد حاول العمل على هذه النظرية، و لكن مع الأربعينات، تحديدا الخمسينات من القرن الماضي، فإن هذه النظرية الغريبة و المتحدية عن كيفية توحيد قوانين الفيزياء قد ذهبت أدراج الرياح. إلى أن حصل شيء رائع في زماننا. في عصرنا، فإن مقاربة جديدة لتوحيد قوانين الفيزياء تم السعي وراءها من قبل فيزيائين من أمثالي، و من أمثال آخرين من أنحاء المعمورة، تسمى نظرية الأوتار الفائقة. و المدهش في الموضوع أن نظرية الأوتار الفائقة و من النظرة الأولى لا علاقة لها بفكرة الأبعاد الإضافية، و لكن ما أن ندرس نظرية الأوتار الفائقة، حتى نجد أنها تبعث من جديد فكرة هذه الأبعاد و لكن بشكل جديد متألق.

لذلك اسمحوا لي أن أسرد لكم كيف تتبلور هذه النظرية. نظرية الأوتار الفائقة — ما مفهومها؟ حسنا، إنها عبارة عن نظرية تحاول الإجابة عن السؤال التالي: ما هي المكونات الأساسية الأولية الغير قابلة للتجزئة الغير قابلة للتقسيم و التي يتركب كل شيء منها في هذا العالم من حولنا؟ الفكرة تبدو على النحو التالي. فلنتخيل أننا ننظر لجسم مألوف لدينا، شمعة على حامل، و لنتصور أننا نريد معرفة مم يتكون منه هذا الحامل. نرتحل في رحلة عميقا داخل هذه الجسم لنتعرف على الوحدات الأساسية المكونة له. عميقا جدا في الداخل — حيث نعلم جميعنا أننا في الموضع المناسب عميقا، سنرى الذرات. جميعنا نعلم أن الذرات ليست نهاية القصة. في هذه الذرات يوجد إلكترونات تدور حول نواة مركزية و هذه النواة تتكون من وحدات هي النترونات و البروتونات. حتى النترونات و البروتونات تتكون من دقائق أصغر في الداخل تعرف باسم الكواركات. هنا حيث تتوقف الفكرة التقليدية.

الفكرة الجديدة لنظرية الأوتار تقول. عميقا في أي من هذه الجسيمات، يوجد شيء آخر. هو عبارة عن خيوط من الطاقة التي تهتز. و التي تبدو كأوتار مهتزة — و من هنا إشتق إسم هذه النظرية. و كما هو الحال في الأوتار المؤلفة لآلة التشيلو الموسيقية و التي تهتز في أطوار مختلفة، فإنه الحال كذلك مع هذه الأوتار من الطاقة، التي تهتز قي أطوار مختلفة. و لكن بدلا من إصدار نغمات موسيقية. فإنها تصدر التوليفة التي تؤلف الجسيمات التي يتكون منها الكون من حولنا. لذا، في حال صحة هذه الرؤى، فإن الأرضية المتناهية الصغر للكون ستبدو على هذا الشكل. مكونة من عدد هائل من هذه الخيوط الطاقية المهتزة المتناهية الصغر، تهتز ببترددات مختلفة. و هذه الترددات المختلفة هي التي تكون الجسيمات الأولية المتنوعة. و هذه الجسيمات الأولية هي المسؤولة عن الغنى و التنوع في العالم من حولنا.

و هنا يمكنك أن ترى نوعا من توحيد المجال، لأن الجسيمات المادية، كالإلكترونات و الكواركات، و الجسيمات الموجية، كالفوتونات، و الغرافيتونات، جميعها مكونة من وحدة بناء واحدة. و بهذا فإن المادة و القوى التي تعمل في الطبيعة جميعها تم وضعها تحت عنوان واحد هو الأوتار المهتزة. و هذا ما قصدناه بعبارة نظرية موحدة. و الملفت في الموضوع أنه. عندما تقوم بدراسة البنية الرياضية لهذه النظرية، فستجد أن النظرية لا تصلح للعمل في كون ذو ثلاثة أبعاد فراغية فقط. لا تصلح للعمل في كون ذو أربعة أبعاد أيضا، و لا حتى ذو خمسة أو ستة أبعاد. أخيرا، يمكنك دراسة المعادلات، و التي تظهر أن النظرية صحيحة فقط في كون ذو عشرة أبعاد مكانية و بعد زماني واحد. مما يعيدنا مجددا إلى فكرة كلوتزة و كلاين — القائلة بأن عالمنا عندما يشرح بشكله الصحيح، فسيكون له أكثر من الأبعاد التي نراها.

ربما الآن تفكرون بهذا و تقولون، حسن، إن كان هنالك أبعاد إضافية، و هي ملتفة على بعضها بشكل كبير، نعم، ربما لن يكون بمقدورنا رؤيتها و هي في تلك الضآلة من الحجم. و لكن إن كان ثمة حضارة صغيرة مكونة من مخلوقات خضراء تتجول في ذلك الفراغ، و هم من الضآلة بمكان بحيث يستحيل رؤيتهم أيضا، هذا صحيح. هذه إحدى تكهنات نظرية الأوتار — كلا، هذه ليست إحدى التكهنات الناتجة عن نظرية الأوتار.

(ضحك)

و لكن هذا يطرح السؤال: هل ما نحاول فعله هنا هو محاولة لإخفاء هذه الأبعاد الإضافية، أم أن هذه الأبعاد تخبرنا بشيء عن الكون؟ في الوقت المتبقي، أود أن أخبركم عن ميزتين من ميزات هذه الأبعاد الإضافية. الأولى هي، الكثير منا يعتقد بأن هذه الأبعاد الإضافية تحمل الإجابة لما قد يكون أحد أعمق الأسئلة في الفيزياء النظرية, و العلم النظري. هذا السؤال هو التالي: عندما ننظر من حولنا، كما فعل العلماء في القرون القليلة الماضية، فسيبدو لنا حوالي عشرين من الأرقام و التي بحق تصف كوننا. هذه الأرقام من مثل قيم كتلة الجسيمات، مثل الإلكترونات و الكواركات، و أيضا شدة قوة الجاذيية، شدة القوة الكهرومغناطسيسية — و هنالك قائمة بحوالي عشرين رقما و التي تم قياسها بدقة متناهية للغاية، و لكن أحدا لم يكن لديه شرح عن سبب إمتلاك هذه الأرقام لقيم محددة بهذا الشكل.

الآن، هل توفر نظرية الأوتار إجابة؟ ليس بعد. و لكننا نعتقد بأن الجواب عن سبب إمتلاك هذه الأرقام لتلك القيم بالتحديد ربما يكمن في شكل الأبعاد الإضافية. و المدهش في الموضوع، إن كان لهذه الأرقام قيما أخرى مختلفة عن القيم التي نعرفها، فإن هذا الكون، لن يكون هو نفسه بالصورة، التي نعرفها الآن. هذا سؤال جوهري. لماذا هذه الأرقام مضبوطة بدقة متناهية بما يسمح بتوهج النجوم و تشكل الكواكب، إذ عندما نعلم بأننا إن عبثنا بهذه الأرقام — لو امتلكت 20 قرصا مدرجا هنا و سمحت لك بالعبث و تغير قيم هذه الأرقام، فإن أي تغير نجريه على الأقراص سيجعل الكون يختفي. فهل من الممكن شرح هذه الأرقام العشرين؟ تقترح نظرية الأوتار بأن هذه الأرقام العشرين لها علاقة بالأبعاد الإضافية. دعوني أوضح لكم كيف. إذن، عندما نتحدث عن أبعاد إضافية في نظرية الأوتار، فهي ليست مجرد بعد إضافي واحد فقط، كما في أفكار كلوتزة و كلاين. هذا ما تطرحه نظرية الأوتار فيما يتعلق بالأبعاد الإضافية. لهذه الأبعاد هندسة معقدة متداخلة مع بعضها.

هذا مثال لشكل يدعى شكل كالابي-ياو — الإسم ليس مهما جدا هنا. و لكن كما ترون، فإن هذه الأبعاد الإضافية مطوية على بعضها البعض و متداخلة في ما بينها في نموذج مثير للإهتمام، و بنية أخاذة. و الفكرة هي أنه إن لهذه الأبعاد الإضافية هذه الهندسة، فإن الفراغ المتناهي الصغر للكون من حولنا سيبدو على هذا النحو. عندما تلوح بيدك، فإنك ستتحرك ضمن هذه الأبعاد الإضافية مرارا و تكرارا، و لكنها من الضآلة بمكان بحيث لا ندرك ذلك. إذن ما هو المضمون الفيزيائي، المتعلق بهذه الأرقام العشرين؟

تمعن في ما يلي. إذا نظرت إلى آلة موسيقية، البوق الفرنسي، لاحظ أن إهتزاز تيار الهواء يتأثر بشكل الآلة الموسيقية. في نظرية الأوتار، فإن جميع الأرقام ما هي إلا نتيجة لطريقة إهتزاز هذه الأوتار. لذلك و كما هو التيار الهوائي في الآلة الموسيقية الذي يتأثر بتغير شكل الآلة الموسيقية، فإن الأوتار نفسها ستتأثر بالنموذج الإهتزازي في الهندسة الفراغية التي تتواجد فيها هذه الأوتار. لنحضر بعض الأوتار هنا. عند مشاهدتك لهذه الأوتار تهتز في الأنحاء — ستظهر على الشاشة خلال لحظات — هنا تماما، لاحظ أن الطريقة التي تهتز فيها تتأثر بشكل مباشر بالهندسة الفراغية للأبعاد الإضافية.

فإذا علمنا بالضبط كيف تبدو عليه الأبعاد الإضافية — لا علم لدينا بعد، و لكن إن علمنا — فسيكون بمقدورنا حساب النغمات الممكنة، و الأنماط الإهتزازية الممكنة. و إن تمكنا من حساب الأنماط الإهتزازية الممكنة، فسيكون بمقدورنا حساب هذه الأرقام العشرين. فإذا كانت الإجابة التي نحصل عليها من حساباتنا متوافقة مع قيم هذه الأرقام المحددة مسبقا من جراء التجارب و القياسات الدقيقة، فسيكون هذا و بشكل كبير الشرح الجوهري الأساسي الأول عن سبب تشكل الكون في بنيته التي يبدو عليها بهذا الشكل. القضية الثانية التي أود أن أختم بها هي: كيف يمكننا أن نختبر هذه الأبعاد الإضافية بشكل مباشر؟ هل ما تحدثنا عنه مجرد بناء رياضي مثير للإهتمام يستطيع وصف بعض المظاهر الغامضة للعالم، أم أنه بإمكاننا فعلا فحص هذه الأبعاد الإضافية؟ نعتقد — برأيي هذه أمر ممتع جدا — أنه و بغضون حوالي السنوت الخمس القادمة قد يكون بمقدورنا أن نتحقق من وجود هذه الأبعاد الإضافية.

و إليكم كيف يتم ذلك. في سيرن، جنيف، سويسرا، آلة يتم بناؤها الآن تدعى مصادم الهايدرونات العملاق. و هي عبارة عن آلة تقوم بإرسال جسيمات حول قناة، في اتجاهات متعاكسة، بسرعة تقارب سرعة الضوء. و كثيرا ما تتجه هذه الجسيمات باتجاه بعضها البعض، محدثة تصادما رأسيا مباشرا. الأمل هو أنه إن كان لهذا التصادم طاقة كافية، فقد يسمح بقذف بعض الشظايا من هذا التصادم من أبعادنا، مجبرة هذه الشظايا على الدخول إلى أبعاد أخرى. كيف سنعرف هذا الأمر؟ حسن، سنقوم بقياس كمية الطاقة بعد التصادم، و نقارنها بكمية الطاقة قبله، فإذا كان هنالك نقص في الطاقة بعد التصادم عما كان عليه قبل التصادم، فسيكون هذا دليلا على أن الطاقة قد انتقلت لبعد آخر. فإذا كان هذا الإنتقال مطابقا للنموذج الموافق لقياساتنا، فسيكون هذا برهانا على وجود الأبعاد الإضافية.

دعوني أوضح لكم هذا الأمر بصريا. تصوروا أنه لدينا نوع محدد من الجسيمات يدعى غرافيتون — و هو نوع من تلك الشظايا التي نتوقع أن تقذف بعد التصادم إذا كانت فكرة الأبعاد الإضافية حقيقية. هنا يبدو لنا كيف تعمل هذه التجربة. نأخذ هذه الجسيمات، نصدمها عنيفا ببعضها. نصدمها عنيفا ببعضها، فإن كنا على حق، فإن بعض الطاقة الناتجة عن التصادم ستغدو على شكل شظايا تتنتقل بعيدا إلى هذه الأبعاد الإضافية. إذن هذا نوع من التجارب التي سنتطلع إليها في غضون الخمس، السبع، إلى العشر سنوات القادمة. و إذا أتت هذه التجارب أكلها، إذا استطعنا أن نرى ذلك النوع من الجسيمات المقذوفة عن طريق ملاحظة النقص في الطاقة الموجودة في أبعادنا الحاصل بعد التصادم، فإن هذا سيبرهن على أن الأبعاد الإضافية حقيقية.

و بالنسبة لي فإن هذه القصة على درجة عظيمة من الأهمية، و فرصة نادرة. بالعودة إلى زمن نيوتن حيث الفضاء ذو قيمة مطلقة — لا يوفر أي شيء سوى أنه حلبة، ساحة تجري فيها أحداث الكون. أتى بعدها أينشتاين بقوله، حسن، المكان و الزمان يمكن لهما أن يتقعرا و ينحنيا، و هذا ما يولد الجاذبية. و الآن فإن نظرية الأوتار لتقول، نعم، الجاذبية، الميكانيك الكوانتي، الكهرومغناطيسية — جميعها توضع في محتوى واحد، بشرط أن يكون للكون أبعادا أكثر من تلك التي نراها. و هذه عبارة عن تجربة يمكن أن تؤكد وجود هذه الأبعاد في زماننا. واعدة بإحتمالات مذهلة. شكرا جزيلا لكم.

(تصفيق)