ماريا سبيڤاك
3,103,580 views • 15:57

هكذا هي حياتنا مع النحل، وهكذا ستكون من دونه. النحل هو أهم مُلَقِّح لفواكهنا وخضرنا وزهورنا ومحاصيلنا من الفصة المستخدمة كعلف لمواشينا. أكثر من ثلث الإنتاج الزراعي العالمي يعتمد على تلقيح النحل.

لكن المضحك في الأمر أن النحل لا يلقح محصولنا لأنه يريد ذلك. بل إنه يلقحه لأنه بحاجة ليأكل. فالنحل يأخذ كل البروتين الذي يحتاجه في نظامه الغذائي من اللقاح وكل الكربوهيدرات التي يحتاجها من الرحيق. فهو يتغذى على الزهور، وكلما انتقل من زهرة لأخرى، وخاصة خلال رحلة التسوق لدى بائع الزهور بالمنطقة، قدم لنا خدمة تلقيح المزروعات الثمينة. وفي أماكن في العالم حيث لا وجود للنحل، أو حيث لا تقدر النباتات المهتلفة على جذبه، يتم استئجار عمال ليقوموا بعملية التلقيح يدويا. بحيث يقوم هؤلاء العمال بتلقيح زهرة تلو الأخرى بواسطة فرشاة رسم. وفي الحقيقة أصبحت عملية التلقيح اليدوي أمرا جاري به العمل. فغالبا ما يقوم مزارعي الطماطم بتلقيح زهورها بواسطة آلة تلقيح هزازة. إنها آلة ترفع من الفعالية. (ضحك) وذلك لأن لقاح الموجود بزهرة الطماطم محفوظ بشكل جيد داخل الجزء الذكري من الزهرة، المتك، والطريقة الوحيدة لإطلاق اللقاح هو بهزه. ويعتبر النحل الطنان واحد من الأجناس القليلة القادرة في العالم على هز الزهرة عندما تحط عليها، وتقوم بذلك من خلال هز عضلات أجنحتها بتردد صوتي يماثل النغمة الموسيقية دو. إنها تقوم بهز الزهرة ويُصَوْتِنُهَا، مما يطلق اللقاح بشكل فعال، ليلتصق اللقاح بجميع جسد النحلة الوَبِر، وتأخذه للمنزل كطعام. اليوم يضع مزارعي الطماطم مستعمرات للنحل الطنان داخل الدَّفِيئَة لتلقيح الطماطم لأنهم يحصلون على نسبة تلقيح أفضل من الطريقة الطبيعية كما يحصلون على نوعية طماطم أفضل.

هناك أسباب أخرى، قد تكون متعلقة بنا نحن، تدفعنا للاهتمام بالنحل. هناك أكثر من 20.000 نوع من النحل بالعالم، وهي غاية في الروعة. وهو يقضي الجزء الأكبر من دورة حياته مختبئ بالأرض أو داخل جوف جذع ما لكن القليل فقط من تلك الأنواع الجميلة قامت بتطوير نظام اجتماعي متطور ومنها نحل العسل.

وعادة ما يلعب نحل العسل دور الممثل الرسمي لأكثر من 19.000 نوع أخرى ذلك أن هناك سببا متعلق بنحل العسل يجذب الناس للدخول إلى عالمها. فقد جذب نحل العسل البشر منذ بداية تدوين التاريخ، وغالبا لجني عسله، الذي يعتبر مُحَلِّي طبيعي مدهش.

لقد جذبني عالم نحل العسل بمحض الصدفة. كان عمري 18 سنة وأشعر بالملل، فاستعرت كتابا عن النحل من المكتبة قضيت الليل بقراءته. لم أعتقد قط بأن الحشرات تعيش في مجتمعات معقدة. كانت كمخلوق الخيال العلمي الذي أصبح حقيقة. والغريب، هم النحالون الذين أحبوه كفرد من عائلاتهم، وعند انتهائي من قراءة الكتاب، علمت أني أود رؤيت ذلك بنفسي. فتقدمت للعمل عند نحال، وهي عائلة تملك 2.000 خلية نحل بنيومكسيكو. فوقعت في حبه للأبد.

يمكن اعتبار نحل العسل كمنظمة رئيسية، بحيث تكون المستعمرة هي المنظمة التي تتألف من 40.000 إلى 50.000 نحلة كمنظمات فردية. فلا وجود لسلطة مركزية بهذا المجتمع. لا وجود لفرد مسؤول. فكيف يقومون باتخاذ القرارات الجماعية، ويوزعون المهام والأعمال، كيف يتناقلون المعلومات عن أماكن تواجد الزهور، كل سلوكياتها الاجتماعية الجماعية مليئة بالإثارة. الشيء الذي أفضله به، والذي درسته لعدة سنوات، هو نظام الرعاية الصحية لديه. نعم، النحل لديه نظام الرعاية الصحية الاجتماعية. درسنا بمختبري كيف يحافظ النحل على صحته. فدرسنا مثلا نظافته، كيف تتمكن بعض النحلات من تحديد وطرد العناصر المريضة من المستعمرة، والمحافظة على صحتها. كما درسنا مؤخرا الراتنجات التي يجمعها النحل من النباتات. يطير النحل إلى بعض النباتات ويكشط تلك الراتنجات اللزجة جدا من على الأوراق، ويحملها عائدا نحو الخلية حيث يستخدمها كمواد أولية لبناء الخلية والتي تشكل ما نسميه بالعُكْبر. وقد اكتشفنا بأن العُكْبر هو مطهر ومضاد حيوي طبيعي. ويقضي على البكتيريا والعفن وجراثيم أخرى داخل المستعمرة، وبالتالي يعزز من صحة ومناعة المستعمرة. وقد تعرف البشر على مزايا العُكْبر منذ العصور القديمة. لدى استخرجنا العُكْبر من مستعمرات النحل لاستخدامه بالطب البشري، لكننا لم ندرك أهميته للنحل. امتلك نحل العسل تلك الدفاعات الطبيعية الرائعة التي حافظت عليه بصجة جيدة ومزدهرة لأكثرمن 50 مليون سنة.

قبل 7 سنوات، عندما أبلغنا بموت مستعمرات كاملة من نحل العسل، والبداية من الولايات المتحدة، كان من الواضح بأن هناك خطب ما. ونحن نعلم جميعا في قرارة أنفسنا، وبشكل فطري، بأننا لا نستطيع السماح بخسارة النحل. فما الذي يحدث؟ يموت النحل لأسباب عدة ومتداخلة، وسنتعرض لكل سبب على حدة. وخلاصة القول هي، أن موت النحل دليل على أراض دون أزهار وعلى خلل في النظام الغذائي.

بما أننا نمتلك أفضل البيانات عن نحل العسل، فسأستخدمها كمثال. في الواقع، أعداد النحل في تراجع بالولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. لدينا اليوم نصف تعداد خلايا النحل بالولايات المتحدة مقارنة بالعام 1945. ونعتقد بأن عدد خلايا النحل قد تراجع إلى مليوني خلية فقط. والسبب هو أننا غيرنا أساليبنا في الزراعة بعد الحرب العالمية الثانية. حيث توقفنا عن زراعة المحاصيل الغطائية. كالبرسيم والفِصْفِصَة، التي تعتبر كأسمدة طبيعية تعزز النيتروجين بالتربة، وبدلا من ذلك بدأنا باستخدام الأسمدة الصناعية. فالبرسيم والفِصْفِصَة هي نباتات ذات قيمة غذائية عالية بالنسبة للنحل. وبعد الحرب العالمية الثانية، بدأنا باستخدام مبيدات الأعشاب للقضاء على الأعشاب الضارة في حقولنا. والعديد من تلك الأعشاب هي نباتات مزهرة يحتاجها النحل للبقاء. وبدأنا بزراعة مساحات أكبر من الزراعات الأحادية. ونحن نتحدث اليوم عن صحاري الغذاء، عن أماكن بمدننا وضواحيها لا يوجد بها محلات البقالة الكبرى. بحيث أصبحت المزارع التي كانت تستخدم في تغذية النحل هي الآن صحاري زراعية، تهيمن فيها زراعة محصول واحد أو اثنين كالذرة وفول الصويا. ومنذ الحرب العالمية الثانية، قمنا بالقضاء بشكل منهجي على العديد من النباتات المزهرة التي يحتاجها النحل لبقائه على قيد الحياة. بل إن تلك الزراعات الأحادية تقضي حتى على المحاصيل الجيدة بالنسبة للنحل، كاللوز. قبل 50 عاما، كان النحالون يضعون بعض مستعمرات وخلايا النحل ببساتين اللوز للتلقيح، وكذا لأن حبوب اللقاح بزهرة اللوز هي جد غنية بالبروتين وهذا أمر مفيد للنحل. ونظرا لحجم الزراعة الوحيدة من اللوز، اليوم فإن الأمر يتطلب نقل معظم نحل البلاد، والذي يتجاوز 1.5 مليون خلية نحل، عبر البلاد لتلقيح هذا المحصول فقط. حيث تنقل بعربات نصف المقطورة، وإعادتها مرة أخرى، لأنه بعد فترة الإزهار، تتحول بساتين اللوز إلى أرض شاسعة من الأشجار الغير مزهرة.

يموت النحل منذ 50 سنة الأخيرة، رغم أننا نزرع المزيد من المحاصيل التي تحتاج إليه. لقد تزايد حجم المحاصيل التي تحتاج لتلقيح النحل ب 300 بالمئة.

كما أن هناك مبيدات الحشرات. فبعد الحرب العالمية الثانية، بدأنا باستخدام مبيدات الحشرات على نطاق واسع، وهو أمر أصبح ضروريا بسبب الزراعات الأحادية التي توفر مرتعا للحشرات الضارة بالمحاصيل. وقد بدأ الباحثين من جامعة ولاية بنسلفانيا مؤخرا بالاهتمام بأثار المبيدات الحشرية الموجودة بحبوب اللقاح التي يحضرها النحل للخلية كغذاء، بحيث اكتشفوا أثار 6 أنواع من المبيدات على الأقل بجميع عينات اللقاح التي يجمعها النحل، ومن بينها جميع أنواع مبيدات الحشرات، والأعشاب والفطريات، بل حتى مكونات خامضة ولم يتم الإشارة إليها على أنها جزء من تركيبة المبيد الحشري والتي قد تكون أكثر سمية من مكون فعال. هذه النحلة الصغيرة تدق ناقوس الخطر. كم من الوقت سيستغرق الأمر لتلويث البشر؟

ومن بين تلك المبيدات الحشرية، النيونيكوتنويدز، الذي يتصدر عناوين الصحف حاليا حول العالم. ربما قد تكونوا سمعتم عنه. وهو نوع جديد من مبيدات الحشرات. يتغلغل في النبتة بالكامل مما يؤدي لموت الحشرة المهاجمة التي تقضم أوراق النبتة الملوثة بجرعة مميتة من المبيدات. إذا ما استخدمت تلك المبيدات التي نسميها بالنيونيك بشكل مفرط، كما هو الحال في علاج التربة هذا، حيث تتغلغل كمية كافية من المكونات بالنبتة لتصل حبوب اللقاح والرحيق، حيث يستهلك النحل في هذه الحالة جرعة عالية من ذلك السم العصبي الذي يصيبه بالتشنج والموت. في معظم المنشآت الفلاحية أو مزارعنا، يتم رش البذور فقط بالمبيد الحشري، وبالتالي فإن جرعة قليلة تتغلغل في النيتة لتبلغ حبوب اللقاح والرحيق، وفي حالة استهلاك النحل لتلك الجرعة الصغيرة، إما قد لا يحدث أي شيء أو أن النحل يصبح مسموما ومشوشا وقد لا يتمكن من إيجاد طريق الخلية. بالإضافة لذلك، للنحل أيضا أمراضه وطفيلياته الخاصة. العدو رقم واحد للنحل هو هذا الشيء. يدعى فاروا مدمرة. وهو اسم على مسمى. فهذا الطفيلي الضخم والماص للدماء يضر بجهاز المناعة لدى النحل ويقوم بنشر الفيروسات.

دعوني ألخص لكم الصورة. لا أدري ما هو شعور أن تكون نحلة تحمل طفيلي ضخم يمص دمك، ولا أدري ما هو شعور أن تكون نحلة مصابة بفيروس ما، لكني أعلم كيف تشعر عندما أصاب بالإنفلونزا، وأعلم مدى صعوبة أن أذهب إلى البقال لأشتري غذاء مفيدا. لكن ماذا لو كنت أعيش وسط صحاري الغذاء؟ وماذا لو كان علي أن أقطع مسافة طويلة لأصل عند البقال، وفي النهاية عندما أصل بجسدي المنهك، أستهلك في طعامي ما يكفي من المبيدات والسموم العصبية التي تجعلني غير قادرة على إيجاد طريقي للمنزل؟ وهذا ما نقصده بتعدد وتداخل أسباب الموت.

ولا يهدد الخطر نحل العسل فحسب بل كل أنواع النحل البري الجميل، بما فيها النحل الطنان الملقح للطماطم. فهذا النحل يعوض نحل العسل خاصتنا فهو يضمن لنا التلقيح الجيد للمحصول إلى جانب نحل العسل. نحن بحاجة لكل أنواع النحل.

فما الذي سنفعله؟ فما الذي سنفعله حيال تلك المعضلة الكبيرة التي خلقناها للنحل؟ يبدو أن هناك أمل. هناك أمل. يمكن لكل واحد منكم أن يساعد النحل بطريقتين مباشرتين وسهلتين. زرع زهور صديقة للنحل، وعدم تلويث تلك الزهور المغذية للنحل بالمبيدات الحشرية. ابحثوا في الإنترنت عن الزهور التي تناسب مناخ منطقتكم واغرسوها. اغرسوها بوعاء على عتبة منزلكم. اغرسوها في حديقة المنزل الأمامية وبمروجكم بشوارعكم. قوموا بحملات لغرسها بالحدائق العمومية والمناطق العامة والمروج. خصصوا لها أراضي خصبة. نحن بحاجة لتنوع طبيعي جميل من الزهور التي تزهر خلال فصل النمو بالكامل، من الربيع حتى الخريف. نحن بحاجة لجنبات من الشوارع المليئة بالزهور من أجل نحلاتنا، ومن أجل الفراشات المهاجرة والطيور وباقي المخلوقات البرية. ونحن بحاجة للتفكير مليا في إعادة زرع المحاصيل الغطائية لتغذية تربتنا وكذا نحلاتنا. كما أننا بحاجة لتنويع مزارعنا. نحن بحاجة لأن نحد ونحيط محاصيلنا بمحاصيل مزهرة لنكسر هيمنة صحاري الغذاء والبدء بتصحيح ذلك النظام الغذائي المختل الذي أنشأناه.

قد يبدو هذا الأمر كإجراء صغير مقابل مشكل ضخم، —فقط اغرسوا تلك الزهور— لكن عندما يصبح بإمكان النحل الوصول لتغذية جيدة، سنصل بدورنا لتغذية جيدة من خلال خدمات التلقيح التي يقدمها. وعندما يصبح بإمكان النحل الوصول لتغذية جيدة، سيكون بمقدوره تقويت مناعته الطبيعية ونظامه الصحي، الذي اعتمد عليه منذ ملايين السنين. الجميل بالنسبة لي في طريقة مساعدة النحل هذه، هي أن كل واحد منا بحاجة للتصرف أكثر كمجتمع النحل أو الحشرات عموما، عندما يمكن لتصرفات كل فرد منا أن تسهم في بلوغ الحل الشامل، هي خاصية بارزة، وهو أمر أعظم من قيمة تصرفاتنا الفردية. فليكن ذلك الفعل الصغير لغرس الزهور وحمايتها من مبيدات الحشرات هو قاطرة لتغيير على نطاق أوسع.

باسم النحل، أنا أشكركم.

(تصفيق)

كريس أندرسون: شكر لكي. سؤال سريع. هل هناك أشياء يمكن استخلاصها من الأرقام الأخيرة عن وفيات النحل؟ وما مدى تفاؤلك وتشاؤمك حولها؟

ماريا سبيفاك: نعم. بالولايات المتحدة، وحدها، نفقد ما نسبته 30 بالمائة من مجموع خلايا النحل في كل فصل شتاء. بينما كنا نفقد قبل 20 عاما، 15 بالمائة فقط. مما يبين أن الأمر أصبح مقلقا.

كريس: ليس 30 بالمائة، إنه — ماريا: نعم، 30 بالمائة كل سنة.

كريس: 30 بالمائة كل سنة. ماريا: لكن بمقدور النحالين تقسيم مستعمراتهم لدى يمكنهم الحفاظ على نفس العدد، يمكنهم تعويض بعض خسائرهم.

نحن نوعا ما في مأزق. لا يمكننا السماح لأنفسنا بخسارة المزيد منها. يجب في الحقيقة أن نشكر كل أولئك النحالين بالمزارع. اغرسوا الزهور.

كريس: شكرا لكي.

(تصفيق)