باري شوارتز
12,263,795 views • 19:37

سوف أتحدث معكم اليوم عن بعض الأشياء في كتابي هذا والتي أرجو أن تجد صدى فيما سمعتموه حتى الآن. سأحاول أن أربط المواضيع بنفسي في حال غابت عنكم سأبدأ بما أسميه “المبدأ الرسمي” أي مبدأ رسمي؟ المبدأ السائد في كل المجتمعات الغربية الصناعية والذي يصاغ على هذا النحو: إذا كنا نريد أن نحسن حال مواطنينا، فالطريق إلى ذلك هو مزيد من الحرية الفردية. هناك سببين لذلك، الأول أن الحرية بحد ذاتها جيدة، قيمة ، جديرة بالاهتمام وجوهرية للإنسان. وإن كان لدى كل الناس الحرية، فسيستطيع كل منا أن يتصرف بنفسه ليفعل الأشياء التي من شأنها زيادة رفاهيتنا ، فلا نحتاج لأحد أن يقرر نيابة عنا. الطريق لمزيد من الحرية يأتي بزيادة الخيار.

كلما زادت الخيارات المتاحة للناس، كلما إزدادت حريتهم، وكلما زادت حريتهم، تحسن حال رفاهيتهم.

هذه الفكرة، على ما أعتقد، مترسبة في عقول الناس بعمق فلا يخطر ببال أحد أن يشكك بها. وهي متجذرة بعمق في حياتنا أيضاً. سأعطيكم بعض الأمثلة عن اللأشياء التي أتحتها لنا تطور الحداثة. هذه البقالة التي أشتري منها. ليست كبيرة جداًِ أريد فقط أن أقول كلمة عن متبلات السلطة. ١٧٥ نوعا من متبلات السلطة في البقالة التي أرتادها، هذا إن لم تعدوا العشر أنواع المختلفة من زيت الزيتون و الاثنا عشر نوعا من الخل البالسمك الذي يمكنكم شراؤه لتصنعوا عددا كبيرا من تتبيلات السلطة الخاصة بكم، في حال أن أياً من ال ١٧٥ نوع التي يقدمها المتجر لا تناسبكم. إذا هذه حال البقالة. ثم تذهبوا إلى متجر الالكترونيات لتشتروا نظام توزيع صوتي (مسجل)— سماعات، مشغل أقراص، مشغل أشرطة، ضابط صوت، مكبر الصوت وهذا في محل الكترونيات هذا فقط، هناك عدد كبير من أنظمة التسجيل. نستطيع أن نكون ستة ملايين ونصف من أنظمة التسجيل المختلفة من الأجزاء المتوفرة في محل واحد.

عليكم الاقرار بأن هذه خيارات واسعة جداً. في مجالات أخرى- فلنأخذ عالم الاتصالات. في الماضي ،عندما كنت صبياً، كان يمكنك الحصول على أي خدمة تليفونية تريدها طالما أتت من ما بيل. كنا نستأجر التلفون، لم نكن نشتريه. يترتب على ذلك ،بالمناسبة، أن التلفون لن يتعطل أبداً. لكن ذاك الزمان ولى. لدينا الآن تشكيلة غير محدودة من التلفونات، خاصة في عالم الهواتف المحمولة (الجوال) هذه هي جوالات المستقبل. المفضل لدي هو الأوسط مشغل الMP3، .مزيل شعر الأنف و مشعل الطبخ. وإذا كنت لم تر أحد هذه الجوالات في المحل الذي بقربك بعد، فكن مطمئناً أنك ستجدها قريباً يوماً ما. وذلك يؤدي إلى أن يدخل الناس إلى المحلات وهم يسألون هذا السؤال. وهل تعلمون ما هو الجواب لهذا السؤال الآن؟ الجواب هو “لا”. لا يمكن شراء جوال غير متعدد المهام.

وحتى في مجالات الحياة الأخرى والأكثر أهمية من شراء الأشياء، نفس الإنفجار في الخيارات حقيقة . القطاع الصحي — لم يعد الحال في الولايات المتحدة أن تذهب إلى الطبيب ليخبرك الطبيب ماذا تفعل. بدلا من ذلك، تذهب إلي الطبيب، ويقول لك، حسناً، يمكننا أن نقوم بالخطة أ، أو الخطة ب لدى الخطة أ هذه المنافع، وهذه المخاطر. وللخطة ب هذه المنافع وهذه المخاطر. ماذا تريد أن تفعل؟ وتقول أنت، “يا دكتور، ماذا يجب أن أفعل؟" فيجيب عليك الطبيب، لدى الخطة أ هذه المنافع وهذه المخاطر، ولدى الخطة ب هذه المنافع وهذه المخاطر. ماذا تريد أن تفعل؟ فتقول أنت، "لو كنت مكاني يا دكتور، ماذا ستفعل؟" فيقول الدكتور، "لكني لست مكانك." والنتيجة هي ما نسميه "اسقلالية المريض" مما يوحي بأنها شيء جيد ولكن حقيقة الأمر أنها نقل للمسؤولية وللعبء اتخاذ القرار من شخص يعرف شيئا عن الموضوع -وهوالطبيب- إلى شخص لا يعرف شيئاً ومن الغالب أنه يعاني من مرض ما وبالتالي ليس مؤهلاً لاتخاذ قرارات— تحديداً المريض.

هناك تسويق ضخم لوصفات الأدوية تستهدف أشخاص مثلكم ومثلي، والذي إن فكرتم به ليس له أي معنى أبداً، بما أننا لانستطيع شرائها بلا وصفة. لماذا إذاً يسوقونها لنا إن كنا لا نستطيع شرائها ؟ الجواب هو أنهم يتوقعوننا أن نتصل بأطبائنا في اليوم التالي ونطلب تغيير الوصفة. حتى شيء على مستوى هويتنا أصبح الآن مسألة اختيار، كما توضح هذه الشريحة. فنحن لا نرث هويتنا بل يتاح لنا صنعها . بل ويتسنى لنا إعادة صنعها كلما اردنا. وهذا يعني أنه عندما تصحو كل يوم، عليك أن تقرر من هو الشخص الذي تريد أن تكونه مع احترامي للزواج و تكوين عائلة، فقد كان هناك زمن عندما كان التوقع السائد لدى الجميع أن تتزوج في أقرب وقت ممكن، يليه إنجاب الأولاد بأقرب وقت ممكن. الاختيار الوحيد كان من، ليس متى.. ولا ماذا تفعل بعد الزواج.

في هذه الأيام، كل شيء معروض للمزايدة. أقوم بتدريس طلاب على مستوى عالي من الذكاء وأقرر عليهم ٢٠ بالمائة أنشطة أقل عن السابق. وهذا ليس لأنهم أقل ذكاءً ولا لأنهم أقل اجتهاداً بل لأنهم منشغلين بسؤال أنفسهم “هل علي أن أتزوج أم لا؟ هل يجب أن أتزوج الآن؟ هل علي تأخير الزواج؟ أن أنجب أولاداً أولاً، أم أحصل على عمل؟” كل هذه أسئلة مجهدة. وعليهم أن يجدوا جوابا لهذه الأسئلة، سواء قاموا بكل العمل الذي أقرره عليهم أم لا وسواء حصلوا على درجات جيدة في مقرراتي أم لا. وبالفعل يجب عليهم ذلك. تلك أسئلة مهمة تحتاج إلى إجابة. فلننتقل إلى العمل. نحن محظوظين، كما أشار لنا كارل، بالتكنلوجيا التي تمكنا من العمل كل دقيقة في كل يوم من أي مكان في الأرض... ماعدا فندق راندولف.

(ضحك)

هناك زاوية واحدة فقط ، بالمناسبة، والتي لن أخبر أحداً عنها، حيث تعمل الشبكة اللاسلكية. لن أخبركم عنها لأني أريد استعمالها. إذاً الذي تعنيه حرية الاختيار الواسعة هذه فيم يخص مكان العمل، أن علينا اتخاذ قرار، مرة بعد مرة بعد مرة، إن كان يجب علينا العمل أم لا. نستطيع الذهاب لمشاهدة أطفالنا يلعبون الكرة والجوال في يدينا، والبلاكبيري في اليد الأخرى، والحاسب المحمول ، في احضاننا. وحتى لو كانت كل هذه الأجهزة مطفأة، ففي كل دقيقة نشاهد فيها أطفالنا يلعبون كرة القدم، فسنظل نتسائل، "هل علي أن أجيب على هذه المكالمة؟" هل علي الرد على هذا الإيميل؟ هل علي كتابة مسودة لتلك الرسالة؟" وحتى إن كان جواب هذا السؤال “لا” فإن ذلك حتماً سيجعل تجربة حضورك لمباراة أولادك تختلف كثيراً عما كانت ستكون عليه إذاً أينما نوجه نظرنا في الأشياء الكبيرة أو الصغيرة، في الأمور المادية أم العملية، الحياة مسألة اختيار. العالم الذي كنا نعيش به كان يبدو شيئا مثل هذا الكاريكاتير. ذلك يعني، أنه كان هناك بعض الخيارات، ولكن ليس كل شيء مسألة خيار. والعالم الذي نعيش به الآن يبدو شيئا مثل هذا الكاريكاتير. السؤال هو، هل هذا خبر جيد أم سيء؟ الجواب هو نعم.

(ضحك)

كلنا نعرف ما وجه المنفعة فيه، لذا ستأتحدث عن الجانب السيء فيه. كل هذه الخيارات لديها تأثيرين، تأثيران سلبيان على الناس. أحد الآثار، ومن المفارقة، أنه يؤدي إلى العجز، بدلاً من التحرر. مع الخيارات المتعددة المتاحة، يجد الناس صعوبة في اختيار أي شيء . سأعطيكم مثالاً مبالغاً على ذلك، في دراسة أجريت على الاستثمارات في خطط التقاعد التطوعي، حصل زميل لي على إذن لرؤية سجلات استثمارية من فانقارد، الشركة الضخمة للصناديق الاستثمارية التي تملك حوالا مليون موظف وتقريباً ٢،٠٠٠ مركز عمل مختلف. وما وجدته هو أن لكل ١٠ صناديق استثمارية قدمت للموظف، أنخفض معدل المشاركة اثنان بالمائة. تقدم ٥٠ صندوقاً، ويشارك ١٠ بالمائة أقل موظفين عن تقديم خمسة فقط. لماذا؟ لأن الأختيار من بين ٥٠ صندوق استثماري ، من الصعب جداً أن تقرر أي صندوق ستختار حتى أنك ستؤجل الموضوع حتى الغد. ثم اليوم الذي بعده، ثم اليوم الذي بعده، ثم غداً ثم بعده، وطبعاً فالغد لا يأتي أبداً. وضعوا في الحسبان أن ذلك لا يعني فقط أن الناس سيضطرون إلى أكل فتات الطعام عندما يتقاعدون لأن ليس لديهم ما يكفي من المال للادخار، بل يعني أيضاً أن اتخاذ القرار صعب جداً بحيث جعلهم يردون مبلغاً يكاد يساوي قيمة ما استثمروه إلى صاحب العمل. بعدم المشاركة، فهم يردون ما قدره ٥،٠٠٠ دولار سنوياً من صاحب العمل والذي سيتقدم بمثل مساهمتهم وهو راضٍ إذاً العجز عن اتخاذ القرار أحد عواقب كثرة الخيارات. واعتقد أن ذلك يجعل العالم يبدو هكذا.

(ضحك)

أنت حقاً تريد إتخاذ القرار الصحيح إن كانت عواقبه أبدية، صحيح؟ لا تريد أن تختار الصندوق الخاطئ، ولا حتى تتبيلة السلطة الخاطئة. إذاً هذا أثر واحد. الأثر الثاني هو حتى إن تمكنا من تخطي العجز واتخاذ قرار، تقل قناعتنا بنتيجة الاختيار عما كانت لو قل عدد الخيارات المتاحة. و هناك عدة أسباب لذلك. أحدها أن مع توفر تشكيلة كبيرة من تتبيلات السلطة، إن اشتريت أحدها ولم يكن مناسب تماماً (وماهو إلا تتبيل السلطة في النهاية؟) من السهل أن تتخيل أنه كان بإمكانك اختيار واحد آخر سيكون أفضل مما لديك. والذي يحدث أنه هذا البديل المتخيل يدفعك للندم على القرار الذي اتخذته، وهذا الندم يُطرح من حصيلة رضاك عن قرارك، حتى وإن كان قرارا جيداً. كلما أتيحت اختيارات أكثر، كلما يصبح الندم أسهل على أي شيء مخيب للظن في الخيار الذي أخترته.

ثانياً هو مايسميه الاقتصاديون "تكلفة الفرصة البديلة". وضح دان جلبرت هذا الصباح نقطة بالغة الأهمية من خلال حديثه عن أن الطريقة التي نقيم بها الأشياء تعتمد بشكل كبير على ما نقارنها به. إذاً، عند توفر الكثير من البدائل للاختيار، من السهل تخيل الميزات الجذابة للبدائل التي ترفضها، فتصبح أقل قناعة بالبديل الذي اخترته. إليكم بهذا المثال. أعتذر لهؤلاء الذين ليسوا من نيويورك.

(ضحك)

ما عليكم أن تفهموه هو التالي لدينا زوجين في هامبتون، حيث العقار باهظ الثمن. شاطيء رائع ويوم جميل. ولا أحد هناك ليفسده عليهم. هل هناك أفضل من ذلك؟ "أوف، تباً " يعتقد الرجل، "إنه أغسطس. كل الناس بحينا في مانهاتن سافروا. بإمكاني إيقاف سيارتي أمام بنايتي تماماً." ويقضي أسبوعين وهذه الفكرة تدور في رأسه وهو يضيع الفرصة، يوماً بعد يوم، للحصول على موقف سيارة جيد. تكلفة الفرصة البديلة تقلل من حصيلة الرضا الذي نشعر به نتيجة اختياراتنا حتى عندما يكون ما اخترناه رائعاً. وكلما زادت الاختيارات المطروحة كلما انعكست ميزات هذه الاختيارات فينا كتكلفة للفرصة البديلة. هذا مثال آخر. حسناً، هذا الكاريكاتير يوضح عدة نقاط. يقول لنا شيئا عن العيش في اللحظة التي نحن فيها أيضاً، وربما عن القيام بالأعمال بتأني. لكنه يوضح نقطة مهمة وهي حينما تختار أن تقوم بشيء ما، فإنك تختار عدم القيام بأشياء أخرى. وتلك الأشياء الأخرى ربما تحمل العديد من المزايا المغرية، وستجعل ماتقوم به في اللحظة أقل تشويقاً.

ثالثاً: زيادة التوقعات. استوعبت ذلك فجأة عندما ذهبت لاستبدال بنطالي الجينز. أرتدي الجينز طوال الوقت تقريباً. وكان هناك زمن مضى عندما كان الجينز يأتي بنسق واحد، فتشتريه رغم أن قياسه عليك غير مناسب، ولم يكن مريحاً أبداً، لكن إذا لبسته لمدة كافية وغسلته مرات عديدة، فإنه يصبح لا بأس به. إذاً ذهبت لاستبدال بنطالي الجينز بعد سنوات وسنوات من ارتداء القديم وقلت: "تعرف، أريد بنطال جينز، هذا هو مقاسي." وقال لي البائع، "هل تريد الموديل الضيق، المتوسط، أو المرتاح؟ هل تريد الذي عليه أزراراً أم سحاب؟ هل تريده باهتاً من التبييض أو الدعك؟ هل تريده مهترئا؟ هل تريد طراز البوت أم مستدق الطرف..." واستمر في العد. اتسعت عيناي ذهولاً، وبعدما تمالكت نفسي ،قلت، "أريد النوع الذي لم يكن يوجد غيره."

(ضحك)

لم تكن لديه أي فكرة عما أتحدث عنه، لذا فقد أمضيت ساعة أجرب كل هذه الجينزات اللعينة، ثم خرجت من المحل، والحقيقة تقال، بأفضل جينز اشتريته في حياتي. لقد أديت بشكل أفضل. كل هذا الاختيار مكنني من الإختيار الأفضل . لكني شعرت بشعور أسوء. لماذا؟ قرأت كتاباً كاملا وأنا أحاول شرح ذلك لنفسي. السبب الذي أعطاني شعوراً أسوء هو، مع كل الاختيارات المتاحة، توقعاتي عما يجب أن يكون عليه بنطال الجينز الجيد ارتفعت. كان لدي توقعات منخفضة جداً. لم يكن لدي أي توقعات تذكر عندما كان هناك نوع واحد فقط. لكن عندما تأتي البناطيل ب ١٠٠ نكهة، اللعنة، أحدها عليه أن يكون مثالياً. وما اشتريته كان جيداً، لكنه لم يكن مثالياً. إذاً فقد قارنت ما حصلت عليه مع ما توقعته، وما لدي بدا مخيباً مقارنة بما توقعت. إضافة بدائل لحياة الناس لا تساعد إلا على رفع التوقعات التي لديهم عن مدى جودة هذه البدائل. والنتيجة هي قناعة أقل بالنتائج، حتى وإن كانت نتائج جيدة. لا أحد في عالم التسويق يعرف ذلك. لأنهم إن علموا ، لما أستطعتم معرفة ما نتحدث عنه . الحقيقة أقرب لذلك.

(ضحك)

السبب في أن "كل شيء كان أفضل حينما كل شيء كان أسوء" هو أنه حينما كان كل شيء أسوء، كان من الممكن أن يصادف الناس في تجاربهم اليومية مفاجأة جميلة. حالياً ، في العالم الذي نعيشه الآن، نحن المواطنون مرفهين، عندما الكمال يكون التوقع— فأقصى ما يمكنكم أن تأملوه هو أن تكون الأشياء جيدة كما تتوقعونها أن تكون. لن تتفاجأوا مفاجأة لطيفة أبداً. لأن توقعاتكم، وتوقعاتي، فاقت السقف. سر السعادة إذاً، وهذا ما جئتم لأجله جميعاً... سر السعادة هو التوقعات المتواضعة.

(ضحك)

(تصفيق)

أريد أن أقول- فقط لحظة سيرة حياتية- أني في الواقع متزوج من امرأة، وهي زوجة رائعة حقاً. لم أكن لأختار أحسن من ذلك. لم أرض على مضض. لكن القناعة ليست دائماً شيء سيء. في النهاية، أحد عواقب شراء بنطال جينز ذو مقاس غير مناسب عندما يكون النوع الوحيد المتوفر هو أنك حينما تكون غير مقتنع وتسأل لماذا، من المسؤول، فالإجابة واضحة. العالم هو المسؤول. ماذا يمكنك أن تفعل؟ عندما يكون هناك المئات من موديلات الجينز المختلفة متوفرة، وتشتري واحداً مخيب للظن، وتسأل لماذا، من المسؤول؟ فمن الواضح أيضاً أن إجابة هذا السؤال هو أنت. كان بإمكانك أن تقوم باختيار أفضل. مع مائة نوع جينز معروض، فليس هناك عذر للفشل. ولذا فحينما يتخذ الناس قرارات، وحتى في حال كانت نتائج القرارات جيدة ، فإنهم يشعرون بالخيبة اتجاهها، يلوموا أنفسهم.

انتشر مرض الاكتئاب انتشاراً واسعاً في العالم الصناعي في الجيل السابق. أعتقد أن أحد أهم الأسباب-وليس السبب الوحيد- الذي ساهم في انتشار مرض الاكتئاب بهذا الشكل، والانتحار أيضاً، هو أن الناس تمر بتجارب محبطة لأن معاييرهم عالية جداً. وبالتالي حينما يفسرون هذه التجارب لأنفسهم، يعتقدون أنهم السبب. إذاً الحصيلة الكلية هو أننا نحسن أداءنا بشكل عام، موضوعياً، لكننا نخرج بشعور أسوء. إذا دعوني أذكركم. هذا هو المبدأ السائد، الذي نأخذه على أنه حقيقة، وهو خاطئ. أنه غير صحيح. ليس هناك شك بأن وجود الخيارات أفضل من عدمه، لكن لا يتبع ذلك أن وجود خيارات أكثر أفضل من وجود ختارات محدودة. هناك توازن ساحر . لا أعرف ماهو. لكني واثق بأننا تخطيناه منذ زمن طويل حيث حسنت البدائل من رفاهيتنا .

الآن، كمسألة سياسة—أنتهيت تقريباً — كمسألة سياسة، ما يستدعي التفكير هو التالي. ما يتيح كل هذا الخيارات في المجتمعات الصناعية هو الثراء المادي. هناك الكثير من الأماكن في العالم، وقد سمعنا عن العديد منها، حيث المشكلة ليست أن لديهم فائض اختيارات. المشكلة أن لديهم اختيار محدود جداً. إذا المشكلة التي أتحدث عنها تخص المجتمعات الغربية الحديثة والغنية. والمحبط حقاً في هذا والمثير للأعصاب هو التالي: تحدث ستيف ليفت معكم بالأمس عن أن كراسي الأطفال الباهظة الثمن والصعبة التركيب لا تسهل شيئا، فهي هدر للمال. ما أقوله لكم هو أن هذه البدائل المعقدة والباهظة الثمن، ليس فقط لا تعين. بل هي حقاً تضر. إنها حقاً تسيء إلى حالنا.

إذا نقلنا بعض ما يتيح للناس في مجتمعاتنا الحصول على كل هذه الخيارات إلى المجتمعات حيث خيار الناس فيها محدود جدا، فلن يتحسن حال أولئك الناس فقط، لكن حالنا نحن سيكون أفضل أيضاً. هذا ما يسميه الاقتصاديون بمبدأ باريتو للمعالجة. إعادة توزيع الدخل سيحسن من حال الجميع، وليس فقط حال الفقراء، بسبب هذا الفائض المفرط للخيارات لدينا. إذا للختام. عليكم أن تقرأو هذا الكاريكاتير، وكونكم أشخاصاً رفيعي الثقافة تقولون، "وما الذي تعرفه هذه السمكة؟ فأنتم تعرفون أن لا شيء ممكن في حوض سمك صغير." خيال يفتقر للخصوبة ونظرة قاصرة للحياة— وهكذا فهمت هذا الكاريكاتير في البدء. لكن كلما فكرت به أكثر كلما بدأت أرى أن لدى هذه السمكة حكمة ما. لأن حقيقة الأمر هي أنكم إن حطمتم حوض السمك ليصبح كل شيء ممكن، فلن تحصلوا على الحرية، بل ستكتسبون شللاً. إن حطمتم حوض السمك ليصبح كل شيء ممكن، تقللون من القناعة. تزيدون العجز، وتقللون من القناعة. الكل يحتاج إلى حوض سمك. الذي في الصورة حتماً محدود جداً— ربما حتى للسمك، وحتماً لنا. لكن غياب نوع مجازي من حوض السمك هو طريق للتعاسة، وأظن، الكارثة. شكراً جزيلاً.

(تصفيق)