جون مكهورتــر
4,733,943 views • 10:01

اللغة التي أحاضر بها الآن ستتحول إلى للغة يتحدثها العالم بأسره، رضينا أم أبينا. لنكن واقعيين، فهي لغة الإنترنت، لغـة المــــــال، وهي لغة مراقبة الملاحة الجوية، لغة موسيقى الشعوب، العلاقات الدبلوماسية — الانجليزية لغة حاضرة حيثما كان

حسناً، اللغة المندرينية منتشرة بشكل أكبر لكن يتهافت الصينيون لتعلم الأنجليزية بصورة أكبر من الناطقينن بالانجليزية الذين يسعون لتعلم الصينية علمت مؤخراً، ثمة أربعا وعشرين جامعة منتشرة بالصين حاليا تدرّس كل مناهجها عبر اللغة الإنجليزية. الكفة تميل لصالح الإنجليزية.

وبالإضافة إلى ذلك، ثمة تكهنات تشير إلى أنه بنهاية هذا القرن ستختفي تقريبا كل اللغات الموجودة حاليا — وهي نحو ستة آلاف لغة — ولن تستخدم بعد ذلك. ولن يبقى من هذه اللغات سوى بضع مئات. وأهم من كل ما ذكرته، فقد تطورت الترجمة الفورية من أي لغة إلى الانجليزية، وأصبحت ليست ممكنة فحسب، وإنما تتطور من عامٍ لعام.

هدفي من هذه المقدمة هو أن أنقلكم لبلوغ هذه المرحلة التي يمكنني أن أقول أنها نقطة التحول لطرح السؤال الأساسي بالمحاضرة، وهو: لما يتعين علينا إكتساب لغات إضافية — بخلاف الإنجليزية واللغة الأم لأى شخص؟ لما ننشغل بتعلم لغة أخرى في حين أن كل إنسان على وجه البسيطة يمكنه التواصل بلغته؟

بإعتقادي ثمة أسباب كثيرة لذلك، لكن بدايةً أريد أن أتحدث عن أمرٍ ربما تكونون على دراية به، على الأغلب، لأنه في الواقع أشد غرابة مما قد تتخيلون، والفكرة هي أن اللغة تساعد على إنسيابية أفكارك، حيث تعرض مفردات وقواعد اللغات المتنوعة أي متحدث لنمط معين من حالات الهلوسة الدماغية، إذا جاز التعبير. وهي فكرة مثيرة للغاية، ونوعاً مــا مخـــيفة.

لكنها في نفس الوقت ليست فكرة خاطئة تماما. فعلى سبيل المثال، في االفرنسة والإسبانية لسبب ما كلمة طاولة هي إسم مؤنث. وعليه، عند إستخدامك لتلك الكلمة باللغتين. يتـــبين أنه في حال كنت أنت أحد الناطقين بهاتين اللغتين وطلب منك أحدهم أن تتخيل كيف يكون الوضع إن تم تجسيم الطاولة لتصبح قادرة على التحدث سيكون تشابه الردود ليس مجرد مصادفة، إذ يقول متحدث الفرنسية أو الإسبانية

إن تحدثت الطاولة سيصدر عنها صوتا أنثويا رقيقا. لذا فستعامل الطاولة شأنها شأن الأنثى, إن كنت ناطقاً بالفرنسية أو الاسبانية. على النقيض مما إذا كنت أحد الناطقين باللغة الإنجليزية.

يصعب ألا تهتم بمعلومة كهذه، وسيقول لك الكثيرون إن لديهم هذا الانطباع الشائع عنك كونك أحد ناطقي هاتين اللغتين ولكن دعونا نتوخى الحذر، لأنه إن تخيلنا أن أحدهم قرر أن يجري علينا اختباراً، نحن معشر الناطقون بالإنجليزية. فما الذي يظنه الآخرون بشأننا؟

لنأخذ نماذج لأشخاص ناطقين بالانجليزية. يظهر على الشاشة أعلى الاستديو، السيد بونو. وهو من الناطقين بالانجليزية. أظن أن انجليزيته تعكس دلالة معينة للعالم. وأقدم لكم دونالد ترامب. باسلوبه الخاص هو يتشــدق بالإنجليزية أيضاً. (ضحك)

وأقدم لكم كذلك السيدة كارداشيان، وهي أيضاً ناطقة باللغة الانجليزية. لدينا هنا ثلاث نماذج لناطقين بالانجليزية. ما هي الميزة المشتركة بين هؤلاء على حسب وجهة نظر غير الناطقين بالانجليزية؟ وماهي الفكرة الموحدة التي شكلها العالم عن هؤلاء الثلاثة كناطقين بالانجليزية؟ وذلك مفهوم غريب، لذا ظهر اجماع تدريجي بأن اللغة تساعد على تشكيل الأفكار. ولكنها أفكار تشكل اضطراباً نفسياً غامضاً. ليست مثل رؤية العالم من وجهتي نظر مختلفتان

وإذا كان الأمر كذلك، لما يتعين علينا اكتساب اللغات الأخرى؟ إن كان ذلك لايساعد على تغيير طريقة تفكيرك، وما اللذي يحفزنا لاكتساب اللغات؟ ثمة الكثير من الأسباب. أحدها، فإذا أردت أن تستوعب ثقافة ما إن أردت أن تتشربها، وإن تصبح جزءاً أصيلاً منها، فسواء كانت الفكرة صحيحة أم لا بأن اللغة هي التي تغذي الثقافة — وهو ما لم يتم التأكد من صحته بعد — فإن أردت أن تتشرب ثقافة قومٍ ما، يتعين عليك أن تتعامل بطريقة أو باخرى مع اللغة المستخدمة في تلك الثقافة. ولا مجال غير ذلك.

ثمة مثال مثير للاهتمام لتوضيح ذلك. ربما يكون حديثي غامضاً بعض الشىء، ولكن يتعين عليكم أن تكتشفوا الأمر بأنفسكم. ثمة فيلم للمخرج الكندي ديني أركاند — مكتوب بالإنجليزية على الفيلم بهذه الطريقة "دينيس أر-كاند" إن رغبتم في اجراء بحث بشأنه. أخرج فيلماً أطلق عليه "مسيح مونتريال". تتسم معظم شخصيات الفيلم بالحيوية والظرافة والشغف وينحدرون من أصول فرنسية كندية. ثمة امرأة تتحدث الفرنسية. ففي المشهد الأقرب للنهاية، حين أضطروا لنقل صديقاً إلى مستشفى أنجلوفون. ففي المشفى كان عليهم التخاطب بالإنجليزية. فهم يتحدثون الإنجليزية، ولكنهم لا يتقنونها كلغتهم الاصلية. وهم لا يفضلون التخاطب بالانجليزية. إذ كانوا يتحدثون الانجليزية بصعوبة، وبلكنة غريبة، لا تنم عن اجادتهم للغة وهكذا يتحول أبطال القصة الذين أبديتم تعاطفاً معهم بشكل مفاجئ إلى شخصيات متقوقعة على على نفسها، وهم يمثلون ظلاً لمجتمع آخر.

معايشة ثقافة ما والتعامل مع أصحابها بشكل سطحي دون تجاوز حاجز اللغة ذلك ليس اكتساب ثقافة بالمعنى الحقيقي. وهو ما أدى لتجاهل مئات اللغات، وقد كان يتعين اكتسابها لأنها تعتبر وسيلة لتسهيل عملية المشاركة بالتكوين الثقافي الخاص بناطقي تلك اللغات، وذلك بحكم أنها وسيلة التواصل معهم. وذلك هو السبب الأول

والسبب الثاني: أثبتت الدراسات أنه إذا كنت قادر على التخاطب بلغتين، تكون أقل عرضة للاصابة بمرض الخرف، كما تكون شخصاً قادراً على أداء مهام متعددة في وقت واحد. و هذه هي العوامل التي تحقق في وقت مبكر و التي بدورها تعطيكم بعض الشعور عندما تعطي مبتدئ دروسا في لغة أخرى ازدواجية اللغة مفيدة

والآن، ثالثاً — تعلم اللغات به الكثير من جوانب الاستمتاع. التي لم يسبق لك أن سمعت عنها. على سبيل المثال، في اللغة العربية: "كَتَبَ" تعني هو كتب، "يَكْتُبُ" تعني هو يكتب، هي تكتب. صغة الأمر منها أُكْتُب. ما اللذي يتكرر عند تصريف هذا الفعل؟ تظهر في عملية تصريف الفعل أن الأحرف الساكنة تظل كما هي عليه في وسط الكلمة كالدعامة. لا تغير موقعها، فيما تتحرك أحرف العلة بتاغم حول الأحرف الساكنة. من ذا الذي لا يرغب بترديد ذلك بلسانه؟ هذا ما يمكن أن تجده بالعبرية، ويمكن ايجادها باللغة الإثيوبية الرسمية، الأمهرية. وهو أمر مثير.

ترتيب أقسام الكلام بالجملة يختلف من لغة لأخرى، تعلم كيفية استخدام ترتيب لغوي مغاير للغتك يشابه قيادة سيارتك على الاتجاه المخالف من الطريق بدولة اجنبية تتبع نظام مرور مغاير لدولتك، أو شعورك بالوخز عندما تضع مستحضر بندق الساحرة على عينيك وترتعش أوصالك. اللغة كفيلة بفعل كل ذلك.

فعلى سبيب المثال، "عودة القط ذو القبعة"، وأنا على يقين وأنا على يقين أننا على الأغلب، عاودنا قراءته مجدداً، مثله مثل رواية "موبي ديك". احدى تعابيره "أخبرني كيف لي أن أعثر عليه؟ هل لديك علم بمكان مخبئه؟ كان يلتهم الكعك بحوض الاستحمام، أجل لقد كان هناك!" فاذا رغبت أن تعلم تلك الجمل باللغة الصينية، حينها يتعين أن تقولها بهذا الشكل، بإمكانك أن تعلم؟ فعلت أين هو أجد؟ هو كان الحوض داخل يلتهم الكعك، لا عيب في الإلتهام، المضغ!" فالترتيب المعكوس بالصيني ممتع. تخيل أنك تتحدث الصينية بهذا الشكل لسنوات عديدة.

وهل سبق أن تعلمت شيئاً من اللغة الكمبودية؟ وأنا أيضاً لم اتعلمها، لكني إن قمت بذلك، أود أن أردد بلساني ليس فقط أحرف العلة الثلاث عشر الموجودة بالانجليزية، وانما أحرف علة مختلفة عددها ثلاثين حرفاً خروج الأصوات أثناء النطق باللغة الكمبودية شبيه بصوت طنين النحل بالخلية. ذلك هو الشعور عند تعلم اللغة.

إضافة إلى ذلك، دخلنا في مرحلة لم يكن قبلها من السهل أن تتعلم بنفسك لغة جديدة. إذ كان يتعيك عليك حضور دروس اللغة، تحت اشراف اساتذة مثابرين — بعضهم اساتذة مرموقين — إلا أن وجود الاستاذ كان ضرورياً فقط لحينٍ من الزمن ولا يمكنك التعلم من دونه، وذلك لم يكن في معظم الحالات. حيث كان يتعين عليك حضور الدرس. وإن لم تقم بذلك، يمكن استخدام ما يعرف اسطوانة التسجيل. أجز عليها بأسناني. كانت تحوي الكثير من البيانات المسجلة، أو استخدام شريط كاسيت، أو استخدام الشيء العتيق المعروف باسم، سي دي. وبخلاف ذلك، لديك كتباً لم تكن تجدي نفعاً. هكذا كانت الأمور من قبل.

أما اليوم فيمكنك الاستلقاء جانباً — على الأرضية بغرفة المعيشة، تحتسي مشروباً، وتقوم بتعليم نفسك أي لغة ترغب بتعلمها باستخدام تشكيلات رائعة من المواقع الالكترونية مثل روزيتا ستون. أيضاً اوصيكم بتصفح الموقع الأقل شهرة لتعلم اللغات، غلوسيكا. يمكنك فعل ذلك وقتما تشاء. لذا بامكانك أن تقوم بذلك أكثر وبأفضل طريقة. بإمكانك أن تجد السلوى الصباحية بنفسك عبر تعلم العديد من اللغات. فأنا أجد السلوى في كل صباح عبر اللغات المختلفة: اللغة تساعد على تنمية قدراتك. لم يكن القيام بذلك ممكناً قبل 20 عاماً. حينما كانت فكرة أن تكون اللغة التي تريد حاضرة بين يديك بوجودها في جيبك، لانها محفوظة على هاتفك الجوال، كانت فكرة يراها العصريون أنفسهم ضرباً من الخيال العلمي.

لذا أوصيكم أن تسعوا لتعليم أنفسكم لغات بخلاف التي أتحدثها أمامكم، لأنه لن يكون هناك وقت أفضل لفعل ذلك. عبرها تجد الامتاع الحقيقي، تعلمها لن يغير من مفاهيمك، ولا محالة تعلمها يفتح الآفاق،

شكراً جزيلاً.