جويل ماليتس
1,090,286 views • 5:10

كثير منّا سيتعرض لنوع من الصدمة خلال فترة حياتنا. أحياناً، نتخطاها من دون آثار طويلة الأمد. لكن بالنسبة للملايين منا، هذه الآثار تستمر، مسببةً أعراضًا كالذكريات المتكررة، والكوابيس، وأفكار سلبية تتداخل مع الحياة اليومية. تُعرف هذه الظاهرة باضطرابات توتر ما بعد الصدمة، أو PTSD وهي ليست عيبًا شخصياً، بل إنها خلل يمكن علاجه في آلية بيولوجية معينة تتيح لنا التكيف مع المواقف الخطيرة.

لفهم اضطراب توتر ما بعد الصدمة، علينا أولاً أن نفهم كيف يستطيع الدماغ معالجة مجموعة واسعة من المآسي، كوفاة شخص العزيز، والعنف الأسري، والإصابة أو المرض، والإساءة، والاغتصاب، والحروب، وحوادث السيارات، والكوارث الطبيعية. هذه الأحداث قد تسبب شعوراً بالخطر والعجز، مما ينشط نظام التنبيه في الدماغ، المعروف باسم استجابة "القتال أو الفرار أو التجمد." عند تشغيل هذا المنبه، فإن أجهزة الغدة الكظرية والنخامية والهيبوتلاموسي، المعروفة باسم المحور HPA، تعمل سويًا لإرسال الإشارات إلى الجهاز العصبي اللاودي. وهو شبكة ترتبط مع الغدد الكظرية والأعضاء الداخلية للمساعدة في تنظيم وظائف الجسم مثل سرعة القلب، والهضم، والتنفس، تُطلق هذه الإشارات تسلسلاً كيميائياً يُشبع الجسم بعدة هرمونات توتر مختلفة، تسبب تغيرات فيسيولوجية تُهيء الجسم للدفاع عن نفسه. وتؤدي إلى تسارع معدل ضربات القلب، والتنفس، وحدوث التشنج في العضلات.

حتى بعد انتهاء الأزمة. قد يستمر ارتفاع مستوى هرمونات التوتر أياماً، فيسبب شعوراً بالتوتر، ورؤية الكوابيس، وغيرها من الأعراض. عند معظم الناس، هذه الأعراض تختفي في غضون بضعة أيام إلى أسبوعيَن كما تستقر مستويات الهرمون لديهم. لكن نسبة صغيرة من الذين تعرضوا لصدمة يصبح لديهم مشاكل مزمنة أحياناً تتلاشى لفترة مؤقتة ثم تعاود الظهور بعد أشهر. نحن لا نفهم تماماً ماذا يحدث داخل الدماغ، لكن هناك نظرية تقول إن هرمون التوتر كورتيزول قد يكون مسؤولاً عن استمرار تنشيط استجابة "القتال أو الهروب أو التجمد" في حين تراجع وظائف الدماغ العامة يؤدي إلى عدد من الأعراض السلبية. تقع هذه الأعراض غالباً ضمن أربع فئات: أفكار تطفلية، كالأحلام وذكريات الماضي، وتجنب مذكرات الصدمة، المشاعر والأفكار السلبية كالخوف والغضب والشعور بالذنب، والأعراض التفاعلية مثل التهيج وصعوبة النوم. لا يعاني الجميع من هذه الأعراض، أو مرت عليه بنفس القدر والكثافة. عندما تدوم المشكلة أكثر من شهر فإنها كثيراً ما تشخص اضطراب ما بعد الصدمة. مورثات، وضغط عصبي هائل ومتواصل، والعديد من العوامل الخطرة مثل أمراض عقلية سابقة أو قلة الدعم العاطفي، من المرجح أنه يؤدي دوراً في تحديد من سيصاب بهذا الاضطراب. لكن السبب الرئيسي ما يزال لغزاً طبياً.

أحد التحديات الرئيسية للتأقلم مع اضطراب ما بعد الصدمة هو الحساسية ضد المسببات، محفزات جسدية وعاطفية التي يربطها العقل مع الصدمة الأصلية. التي قد تكون أحاسيس كل يوم وهي ليست خطيرة بحكم طبيعتها لكن ردود أفعال نفسية وجسدية قوية سريعة. على سبيل المثال، رائحة نار المخيم قد تستحضر ذكرى الاحتجاز في منزل يحترق. للشخص المصاب بالاضطراب ما بعد الصدمة، بحيث تعمل الذاكرة على تفعيل التسلسل الكيميائي العصبي ذاته كالحدث الأصلي، ثم تثير نفس الشعور بالذعر والعجز كما لو أنهم يعيشون الصدمة مرة أخرى.

محاولة تجنب هذه المسببات، والتي يصعب توقعها أحياناً، قد تقود إلى العزلة. وستجعل المصابين يشعرون بالنقص، والتهميش، وسوء الفهم، كما لو أن أحدهم ضغط زر الإيقاف على حياتهم بينما يستمر باقي العالم بالمضي من حولهم.

لكن، هناك خيارات. إذا كنت تعتقد أنك قد تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، أول خطوة تقوم بها هي تقييم حالتك لدى طبيب نفسي الذي بدوره سيرشدك نحو العديد من المصادر المتوفرة. العلاج النفسي قد يكون فعالًا جداً لاضطراب توتر ما بعد الصدمة، ولمساعدة المرضى على تحسين فهمهم للمسببات. وبعض الأدوية تزيد إمكانية السيطرة على الأعراض، كما تستطيع ممارسات الصحة النفسية مثل التأمل والتمارين اليومية.

ماذا لو لاحظت علامات الاضطراب ما بعد الصدمة لدى صديق لك أو أحد أفراد العائلة؟ الدعم الاجتماعي والقبول والتعاطف كلها عوامل أساسية تسهم في شفائهم. دعهم يشعرون أنك تصدق روياتهم لما عانوه، وأنك لا تلومهم على ردود أفعالهم، إذا كانوا منفتحين على ذلك، شجعهم على طلب تقييم وعلاج.

كان الاضطراب ما بعد الصدمة يسمى "الجرح الخفي" ذلك لأنه يأتي دون علامات جسدية ملحوظة. لكن حتى إذا كان الاضطراب خفي، فلا يجب أن يكون صامت.