أنا عالم أعصاب. وفي علم الأعصاب، علينا أن نتعامل مع العديد من الأسئلة الصعبة حول الدماغ. ولكن أريد أن أبدأ مع أسهل سؤال وهو السؤال الذي ينبغي حقا عليكم جميعا أن تطرحوه على أنفسكم في مرحلة ما من حياتكم، لأنّه سؤال أساسيّ إذا ما أردنا أن نفهم وظيفة الدماغ. السؤال هو، لماذا نملك نحن وبعض الحيوانات الأخرى أدمغة؟ ليست كل الأنواع على كوكبنا ذوات أدمغة، لذا إذا أردنا أن نعرف دور الدماغ، دعونا نفكر لماذا قمنا بتطويره. يمكن أن تعتقد أنّ السبب أننا نمتلك دماغا لإدراك العالم أو للتفكير، وهذا خاطئ تماما. إذا قمت بالتفكير في هذه المسألة ولأي مدة من الزمن، فسيكون من الواضح والجلي لماذا لدينا دماغ. لدينا دماغ لسبب واحد وسبب واحد فقط، وهو أداء حركات متكيفة ومعقدة. ليس هناك سبب آخر لكوننا نملك دماغ. فكّروا في الامر. الحركة هي السبيل الوحيد لديك للتأثير في العالم من حولك. هذا ليس صحيحا تماما. هناك إحدى الطرق الأخرى، وذلك عن طريق التعرّق. ولكن بصرف النظر عن ذلك، كل شيء عدا ذلك يمرّ عبر تقلّصات العضلات.
فكروا في التواصل -- الكلام والإيماءات والكتابة ولغة الإشارة -- تتمّ جميعها من خلال تقلصات العضلات. لذا فمن المهم حقا أن نتذكر أن العمليات الحسية والذاكرة والإدراك كلها مهمة، ولكنها مهمّة فقط لإنتاج أو لحذف حركات مستقبلية. يمكن أن يكون هناك أي ميزة تطورية لترك ذكريات الطفولة أو إدراك لون زهرة إذا كان ذلك لن يؤثر على طريقة حركتك في وقت لاحق في الحياة.
الآن بالنسبة لأولئك الذين لا يعتقدون في الحجة، لدينا الأشجار والأعشاب على كوكبنا دون أن يكون لها دماغ، لكن الدليل الحاسم هو هذا الحيوان هنا -- بخ البحر المتواضع. حيوان بدائيّ، لديه نظام عصبيّ، يقوم بالسّباحة حول المحيطات في أوّل حياته. وعند نقطة معينة من حياته، يلتصق بصخرة. وأول شيء يفعله عند الإلتصاق بالصخرة، والتي لن يتركها أبدا، هو هضم دماغه ونظامه العصبي ليتغذى بهما. لذلك متى انتفت الحاجة لديك للحركة، انتفت معها الحاجة لاكتساب دماغ. وغالبا ما يتم أخذ هذا الحيوان باعتباره قياسا على ما يحدث في الجامعات عندما يتم تثبيت أساتذة في وضيفتهم، ولكن هذا موضوع مختلف.
أنا شوفيني للحركة. أعتقد أن الحركة هي أهم وظيفة للدماغ -- لا تدع احدا يقول لكم انّ هذا ليس صحيحا. الآن إذا كانت الحركة مهمّة لهذا الحدّ، أين وصلنا في فهم كيفية تحكّم الدماغ في حركة؟ والجواب هو أنّ مردودنا سيئ للغاية، انها مشكلة صعبة للغاية. ولكن يمكننا أن نرى الجانب الإيجابيّ من خلال التفكير في مردودنا في بناء الآلات التي يمكنها أن تقوم بما يمكن أن يقوم به البشر.
فلنأخذ لعبة الشطرنج. ماهي قدرتنا على تحديد أيّ قطعة علينا تحريكها و إلى أين؟ إذا وضعت غاري كاسباروف هنا، إذا لم يكن في السجن، في مقابل حاسوب شركة آي بي إم "ديب بلو"، فإن الجواب هو أنّ حاسوب شركة آي بي إم "ديب بلو" سيفوز في بعض الأحيان. واعتقد انه اذا لعب حاسوب شركة آي بي إم "ديب بلو" ضدّ أيّ شخص في هذه الغرفة، فسيكون الفائز في كل مرة. هذا المشكل تم حله. ماذا عن مشكلة التقاط قطعة شطرنج، وتحريكها بمهارة من ثم وضعها مجدّدا على الرّقعة؟ إذا وضعت مهارة طفل ذو خمس سنوات ضد أفضل الروبوتات الحديثة، فسيكون الجواب بسيطا : سيفوز الطفل بسهولة. ليس هناك مجال للمنافسة على الإطلاق.
مالذي يجعل تلك المسألة في الأعلى على هذه الدرجة من السهوله وتلك في الأسفل على هذه الدرجة من الصعوبة؟ أحد الأسباب هو أنّه بإمكان ذي الخمس سنوات ذلك الذكيّ جدا ان يمدّكم بخوارزمية تلك المسألة في الأعلى -- ابحث عن كل التحركات الممكنة حتّى نهاية اللعبة ثم قم باختيار تلك التي تجعلك تفوز. لذلك فهذه تعتبر خوارزمية بسيطة جدا. بالطبع هناك تحركات أخرى، ولكن مع أجهزة الكمبيوتر كبيرة نقوم بعمليّة تقريبيّة تجعلنا أقرب من الحل الأمثل. عندما يتعلق الأمر بالبراعة، ليس واضحا حتى ماهيّة الخوارزمية التي يجب حلّها لتكون بارعا. وسنرى انّه سيكون عليك على حد سواء إدراك العالم والتحرّك في نطاقه، وهو ما يطرح الكثير من المشاكل.
ولكن اسمحوا لي أن أعرض عليكم أحدث الروبوتات. لدينا حاليّا الكثير من الروبوتات الرائعة، لكن قدرة الروبوتات على تحريك الأشياء لا تزال في خطواتها الأولى. هذا ما انتهى إليه بحث دكتوراه من أحد أفضل المعاهد المختصّة في الروبوتات. وقد قام الطالب بتدريب هذا الروبوت ليسكب هذه المياه في الكأس. انها مشكلة صعبة لان المياه يمكن أن تنسكب جانبا، لكنه يستطيع ان يفعل ذلك. لكنه لا يمكنه أن يقوم بذلك مع أي درجة من خفة الحركة لدى الإنسان. الآن إذا ما أردت من هذا الروبوت أن يقوم بمهمة مختلفة، فهذا يمثّل برنامج لدكتوراه ثانية تدوم ثلاث سنوات. ليس هناك تعميم على الإطلاق من مهمة إلى أخرى في مجال الروبوتات.
الآن يمكننا مقارنة هذا مع أداء بشري متطور. سأقدّم لكم (إيميلي فوكس) أثناء فوزها بالرقم القياسي العالمي لتكديس الكؤوس. الآن سوف يتعرّف الاميركيوون من بين الحضور على تكديس الكؤوس. انها رياضة في المدرسة الثانوية حيث لديك 12 كوبا عليك أن تجمّعهم في كومة ومن ثم تفرّقهم في أقصر وقت ممكن وفي ترتيب معيّن. وها هي تحصل على الرقم القياسي العالمي في الوقت الحقيقي. (ضحك) (تصفيق) إنها سعيدة جدا. ليس لدينا أي فكرة عما يجري داخل دماغها عندما تقوم بذلك، وهذا ما نود ان نعرفه.
في مجموعتي، ما نحاول القيام به هو اجراء هندسة عكسيّة لمعرفة كيفيّة سيطرة البشر على الحركة . وهذا يبدو مشكلة سهلة. تقوم بإرسال الأوامر، فينجرّ عن ذلك تقلّص للعضلات. يتحرّك ذراعك أو جسمك، وتحصل على ردود فعل حسية من خلال الرؤية، والجلد، والعضلات وهلم جرا. المشكلة هي أنّ هذه الإشارات ليست بتلك الإشارات الجميلة التي تريدها. لذلك إحدى الأشياء التي تجعل من الصعب السيطرة على الحركة هي، على سبيل المثال، أن ردود الفعل الحسية مشوّشة للغاية. أنا هنا لا أعني بالتشويش الصوت. نستعملها في هندسة وعلم الأعصاب بمعنى الضجيج العشوائي الذي يفسد الإشارة. في الايام الخوالي قبل وجود الاذاعي الرقمي عندما كنت تضبط الراديو الخاص بك وتسمع "كغغغك" على المحطة التي تودّ سماعها، ذلك كان تشويشا. ولكن بشكل عام، هذا الضجيج هو شيء يفسد الإشارة.
فعلى سبيل المثال، إذا وضعت يدك تحت طاولة ثم حاولت تحديد مكانها باستعمال يدك الأخرى، يمكن أن تكون على بعد عدة سنتيمترات بسبب التشويش في ردود الفعل الحسية. على نحو مماثل، عندما تجمع بين نتيجتي قوة دافعة وحركة فإنه يحدث تشويشا كبيرا للغاية. لا تحاولوا اصابة الهدف في لعبة رمي النبال، حاولوا فقط استهداف نفس المكان مرارا وتكرارا. لديك مجال كبير بسبب تغيّر الحركة. وأكثر من ذلك، فإن العالم الخارجي، أو المهمة، على حدٍ سواء غامضة ومتغيرة. إبريق الشاي يمكن أن يكون ممتلئا، ويمكن أن يكون فارغا. يتغير مع مرور الوقت. لذلك فنحن نعمل في مهمّةِ حركةٍ حِسيّةٍ ضمن كمٍّ كبير من التشويش.
هذا التشويش هو من الضخامة بحيث يمنح المجتمع أهميّة كبيرة لأولئك من بيننا الذين يمكنهم الحد من عواقب التشويش. لذا إذا كنت محظوظا بما فيه الكفاية لتكون قادر على رمي كرة بيضاء صغيرة في حفرة تبعد عدة مئات من الياردات باستخدام عصا معدنية طويلة، فسوف يكون مجتمعنا على استعداد أن يكافئك بمئات الملايين من الدولارات.
الآن ما أريد أن أقنعكم به هو أنّ الدماغ يقدّم الكثير من الجهد للحد من الآثار السلبية لهذا النوع من التشويش والتقلب. وللقيام بذلك، سأخبركم بإطار حظى بشعبية كبيرة في مجال الاحصاءات والتعلم الآلي في السنوات الخمسين الماضية يدعى نظرية إتخاذ القرار البايزي. واُعتُبِرَتْ في الآونة الأخيرة طريقة موحدة للتفكير في كيفية تعامل الدماغ مع حالة عدم اليقين. والفكرة الأساسية هي أنك تريد أن تأخذ الاستدلالات ومن ثم اتخاذ الإجراءات.
دعونا نفكر في الاستدلال. تريد توليد المعتقدات حول العالم المحيط. فما هي المعتقدات؟ يمكن أن تكون المعتقدات : أين ذراعيَّ في الفضاء؟ هل أنا أنظر إلى قط أم إلى ثعلب؟ لكننا سنقوم بتمثيل المعتقدات باستعمال الاحتمالات. لذلك سنقوم بتمثيل معتقد برقم بين الصفر والواحد -- الصفر يعني لا أعتقد ذلك على الإطلاق، والواحد يعني أنّي واثق تماما. والأرقام بينهما تعطيك المستويات الرماديّة من عدم اليقين. والفكرة الأساسية للاستدلال البايزي وهو أنّ لديك مصدرين اثنين للمعلومات تقوم بالاستناد عليهما بوضع استدلالك الخاص. لديك بيانات، والبيانات في علم الأعصاب تمثّل المعلومات الحسية. إذن لديّ معلومات حسية، يمكنني أن أجعل منها معتقدات. ولكن هناك مصدر آخر للمعلومات، وهو ما يمثّل في الواقع المعارف المسبقة. أنتم تراكمون المعرفة طوال حياتكم في ذكراتكم. ومفهوم نظرية إتخاذ القرار البايزي أنها تمنحك عن طريق الرياضيّات السبيل اللأمثل لدمج معارفك المسبقة مع أدلّتك الحسية لتوليد معتقدات جديدة.
لقد قمت بوضع القاعدة هناك. أنا لن أقوم بشرح ما هيّة هذه الصيغة، لكنها غاية في جميلة. ولديها جمال حقيقي وقوة تفسيرية حقيقية. وما تفيدنا به في الوقع، وما تود أن تقوم بتقديره، هو احتمال معتقدات مختلفة مع الأخذ بعين الإعتبارالمعلومة الحسيّة التي لديك. لذلك اسمحوا لي أن أقدم لكم مثالا بديهيّا. تخيل أنك تتعلّم لعب التنس وتريد أن تقرر مكان ارتداد الكرة بعد تجاوزها الشبكة في اتجاهك. هناك مصدران للمعلومات بالإستناد إلى قاعدة (بايز). هناك أدلة حسية -- يمكنك استخدام المعلومات السمعية المعلومات البصرية، وهو ما يمكن أن يسمح لكم باعتماد تلك البقعة الحمراء. لكنك تعلم أن حواسك ليست مثالية، وبالتالي هناك بعض التباين من حيث مكان سقوطها على الأرض يظهر من خلال تلك السحابة الحمراء، تمثل أرقاما ما بين 0.5 و 0.1 ربما.
هذه المعلومات متوفرة بالنسبة للرمية الحالية، ولكن هناك مصدر آخر للمعلومات غير متوفر بالنسبة للرمية الحالية، ولكنها متاحة فقط من خلال التجربة المتكررة في لعبة التنس، وهي ان الكرة لا ترتد مع احتمالات متساوية على كامل الملعب خلال المباراة. إذا كنت تلعب ضد منافس جيد للغاية، فإنه قد يوزّعها نحو تلك المنطقة الخضراء، وهو ما يمثّل التوزيع الأمثل، مما يجعل من الصعب عليك أن تصدّها. كِلا هذه المصادر من المعلومات تحمل معلومات هامة. ما تفيدنا به قاعدة (بايز) هو أنه عليّ ضرب أرقام المنطقة الحمراء في أرقام المنطقة الخضراء للحصول على أرقام المنطقة الصفراء، ذات الأشكال البيضاوية، وهذا ما يمثّل اعتقادي. هذه هي الطريقة المثلى لدمج المعلومات.
لم أكن لأخبركم بهذا لو لم نكن أثبتنا منذ بضع سنوات، أنّ هذا هو بالضبط ما يفعله الناس عند تعلّم مهارات حركة جديدة. وهذا ما يعني وأنّنا نمثّل حقّا آلات استدلال بايزيّ. وكلّما مضينا قدما، تعرّفنا على الإحصاءات في العالم وقمنا بأخذ الدّروس، ولكن تعلّمنا أيضا كم هي صاخبة أجهزتنا الحسية، ثم قمنا بجمع كلّ ذلك بطريقة بايزيّة حقيقية.
الجزء الأساسيّ في بايز هو هذا الجزء من القاعدة. وما يخبرنا به في الواقع هذا الجزء هو أنّه عليّ توقع احتمال تقييمات حسية مختلفة مع الأخذ بعين الإعتبار معتقداتي. وهذا يعني في الواقع أنّه عليّ وضع توقعات للمستقبل. وأريد أن أقنعكم بأنّ الدماغ يقوم بتـنبؤات لردود الفعل الحسية التي سوف يحصل عليها. وعلاوة على ذلك، فإنه يغير بعمق ادراكك من خلال ما تقوم به. لتحقيق ذلك، سوف أخبركم عن كيفيّة تعامل الدماغ مع المعلومات الحسية. تقوم بإرسال أمر بها، فتحصل على ردود الفعل الحسية، ويخضع هذا التحول إلى فيزياء جسمك ولأجهزتك الحسية.
ولكن يمكنك أن تتخيل أنّك تنظر داخل الدماغ. هذا هو داخل الدماغ. قد يكون لديك جهاز توقع صغير، وجهاز محاكاة عصبية، لفيزياء جسمك وحواسك. بحيث مع قيامك بإرسال أمر الحركة إلى الأسفل، تقوم بأخذ نسخة منه وتقوم بتشغيله في جهاز المحاكاة العصبيّ خاصّتك لاستباق النتائج الحسية لحركاتك. ولذا فمع قيامي بهز زجاجة الكاتشب هذه، أحصل على بعض ردود الفعل الحسية الحقيقيّة بمرور الوقت في السّطر السفلي. وإذا كنت أملك جهاز توقع جيد، فإنه سيتوقع نفس الشيء.
ولكن لماذا أتحمّل عناء القيام بذلك؟ فأنا سأحصل على ردود الفعل نفسها على أي حال. هناك أسباب وجيهة. تخيل، بينما أنا بصدد هزّ زجاجة الكاتشب، يأتي شخص ويقوم بكلّ لطف بمساعدتي بضرب الزجاجة من فوق. الآن حصلت على مصدر اضافي للمعلومات الحسية نتيجة لذلك الفعل الخارجي. لذلك حصلت على مصادرين اثنين. أنت قمت بضربه من فوق، وأنا قمت بهزّه، ولكن من وجهة نظر حواسّي، يقترن هذان معا في مصدر واحد للمعلومات.
الآن هناك سبب وجيه للاعتقاد إنذك تريد أن تكون قادرا على التمييز بين الأحداث الخارجية والأحداث الداخلية. لأنّ الأحداث الخارجية هي في الواقع أكثر صلة بالموضوع سلوكيا من الشعور بأن كل شيء يجري داخل جسدي. إحدى طرق إعادة بناء هذا هو مقارنة التنبؤ -- والمستند فقط على أوامرك للحركة -- مع الواقع. ونتمنّى أن يكون أي تباين مصدره خارجيّ. بينما أجوب العالم، فأنا أقوم بتنبؤات لما ينبغي أن يحصل لي، ثم أقوم بطرحها. كل ما يبقى بعد ذلك هو خارجي بالنسبة لي.
ما هو الدليل على ذلك؟ هناك مثال واحد واضح جدا حيث يكون احساس صادر منّي مختلفا جدا عن آخر صادر عن شخص آخر. ولذا قررنا أنّ المثال الأكثر وضوحا لنبدء منه كان الدغدغة. من المعروف منذ وقت طويل، أنّه لا يمكنك دغدغة نفسك وكما يمكن للأشخاص آخرين أن يفعلوا. ولكن لم يكن قد ثبت حقا، لأنه لديك جهاز محاكاة عصبيّ، يقوم بمحاكاة جسمك ثمّ يقوم بطرح ذك الإحساس. يمكن جلب خبرات القرن الواحد والعشرين من خلال تطبيق تقنيات الروبوت على هذه المشكلة. وفي الواقع، لدينا عصا في احدى اليدين مربوطة إلى روبوت، وسيقومون بتحريكها إلى الخلف وإلى الأمام. ومن ثم سنقوم بتتبّعها عن طريق جهاز كمبيوتر وسنستخدمها للتحكّم في روبوت آخر، سيقوم بدغدغة كفّ يده باستعمال عصا أخرى. ثم سنطلب منهم يقيّموا مجموعة من الأشياء بما في ذلك الدغدغة.
سأكتفي بأن أعرض عليكم جزءا واحدا من دراستنا. قمت هنا بأخذ الروبوتات بعيدا، ولكن يقوم الناس أساسا بتحريك ذراعهم إلى الخلف و إلى الأمام بطريقة جيـبـية. ونقوم بتكرار ذلك مع اليد الأخرى مع تأخير في الوقت. أو بدون أيّ تأخير، في تلك الحالة يقوم الضوء بدغدغة كفّ يدك، أو مع تأخير في الوقت لعشرين أو ثلاثة أعشار من الثانية. وبالتالي فإن الأمر المهم هنا هو أنّ اليد اليمنى تقوم دائما بنفس الأشياء -- الحركة الجيبية. كما تقوم اليد اليسرى بالشيء نفسه دائما وتقوم بدغدغة جيبية. كل ما نقوم به هو إيقاع سببيّ. وبانطلاقنا من صفر إلى 0.1 ثانية، يصبح أكثر دغدغة. و بذهابنا من 0,1 إلى 0,2، يصبح أكثر دغدغة في النهاية. وعند بلوغنا 0.2 من الثانية، فانها تدغدغ بنفس القدر الذي يقوم روبوت بدغدغتك من دون أن تقوم بأي شيء. أيا كان المسؤول عن هذا الإلغاء فالأمر مقرون بإحكام مع الإيقاع السببيّ. وبناء على هذا التوضيح، فنحن مقتنعون تماما أنّنا في مجال أن الدماغ يقوم بتنبؤات دقيقة ويقوم بطرحها من الأحاسيس.
لا بد لي من الاعتراف الآن، أنّ هذه هي أسوأ الدراسات التي قام بها مخبري على الإطلاق. لأن الإحساس بالدغدغة يأتي ويذهب، تحتاج إلى أعداد كبيرة من المتطوّعين مع هذه النجوم التي تجعلها ذات معنى. لذا كنا نبحث عن وسيلة أكثر موضوعية لتقييم هذه الظواهر. وفي السنوات التي تلت كان لدي ابنتان. ستلاحظ أمرا واحد عن الأطفال عندما يجلسون في المقاعد الخلفية للسيارة في الرحلات الطويلة، أنّهم يقومون بمعارك -- تبدأ بقيام احد منهم بفعل شيئ للآخر، يردّ الآخر الفعل. فيتصاعد الأمر بسرعة. يميل الأطفال إلى الدخول في المعارك التي تتصاعد من حيث القوة. الآن عندما أصرخ في وجه أطفالي ليتوقفوا، في بعض الأحيان يجيبني الإثنان بأنّ الآخر ضربه بشدّة.
أنا على يقين أنّ أولادي لا يكذبون، حتى ظننت، بصفتي عالم أعصاب، أنّه من المهم كيف يمكنني أن أفسّر كيف كانوا يدلون بحقائق غير متناسقة. ونحن نفترض استنادا إلى دراسة الدغدغة أنه عندما يضرب طفل الآخر، فهم يولّدون أمر الحركة. ويتوقعون النتائج حسية ويقومون بطرحها. لذلك فانهم يعتقدون فعلا انهم قاموا بضرب الشخص أقل حدّة مما كانت يجب عليهم -- وليس مثل الدغدغة. في حين أن المتلقي السلبي لا يقوم بعمليّة التنبؤ، ويشعر بالضربة كاملة. لذا إذا قاموا بردّ الفعل بنفس القوة، سيعتقد الشخص الأوّل بأنّ الأمر قد تصاعد.
لذلك قررنا اختبار هذا في المختبر. (ضحك) نحن الآن لا نتعامل مع الأطفال، ونحن لا نتعامل مع الضرب، لكن المفهوم هو ذاته. نأتي بشخصين بالغين. و نخبرهم أنّهم سيلعبون مباراة. ولدينا أحد اللاعبين وهنا الثاني جالسين قبالة بعضهما البعض. واللعبة بسيطة جدا. بدأنا مع محرك مع رافعة صغيرة، وناقل قوة صغير. ونستخدم هذا المحرك لتطبيق قوّة على أحد أصابع اللاعب لمدة ثلاث ثوان ومن ثم فإنه يتوقف. قد تم الطلب من ذلك اللاعب، أن يتذكّر تجربة تلك القوة وأن يستخدم إصبعه الآخر لتطبيق نفس القوة على إصبع الشّخص الآخر من خلال ناقل القوة -- وذلك ما يقومون به. قد تم الطلب من اللاعب الثاني، أن يتذكّر تجربة تلك القوة واستخدم يدك الأخرى في تطبيق القوة. ثمّ يتناوبون على القيام لتطبيق القوة التي قاموا بتجربتها جيئة و ذهابا.
ولكن الأهم من ذلك، تم إطلاعهم على قواعد اللعبة في غرف منفصلة. حتى لا يعرف كلّ منهما القواعد التي يتّبعها الشخص الآخر في اللعب. وما قمنا بقياسه كانت القوة بوصفها تابعا من الشروط. وإذا نظرنا إلى ما بدأنا به، رُبْع نيوتن هناك، عدد الأدوار، ذلك الخط الأحمر سيكون مثاليّا. وما نلاحظه مع جميع أزواج اللاعبين هو هذا -- تصعيد بنسبة 70 في المئة في القوة على كل شوط. هذا يبيّن حقا، إذا ما فعلتم هذا -- استنادا إلى هذه الدراسة وغيرها مما قمنا به -- أن الدماغ قام بإلغاء النتائج الحسية والتقليل من شأن القوة المنتجة. لذلك فهذا يظهر من جديد انّ الدماغ يقوم بالتنبؤات ويحدث تغيرات جوهرية في الادراك. لذلك فقد وضعنا استدلالات، وقمنا بالتنبؤات، والآن علينا توليد الحركة. وما يبيّنه قانون (بايز) هو، بالنظر الى معتقداتي، ينبغي أن تكون الحركة بشكل ما مثاليّة.
ولكن لدينا مشكلة. المهام هي رمزية -- أريد أن أشرب، أريد أن الرقص -- ولكن على نظام الحركة تحريك 600 عضلة في تسلسل معين. وهناك فجوة كبيرة بين المهام ونظام الحركة. بحيث يمكن أن يتمّ ردم الهوّة بعدد لانهائي من الطرق المختلفة. فكّروا فقط في الحركة من نقطة إلى نقطة. يمكنني اختيار هذه المسارين من بين عدد لانهائي من المسارات. بعد اختيار مسار معين، يمكن أن أضع يدي على هذا المسار في عدد لا متناهي من التكوينات المختلفة. ويمكنني تثبيت ذراعي ضمن ترتيب خاص إما مقبوضة جدا أو مرتخية جدا. لذا فإن لدي مجموعة كبيرة من الخيارات لعمل ذلك. اتضح الآن، أنّنا نمطيّون للغاية. نحن نتحرك جميعا الى حد كبير بنفس الطريقة.
وهكذا اتضح أنّنا نمطيّون جدّا، قد قامت أدمغتنا بتخصيص الدوائر العصبية لفك هذا التنميط. فإذا قمت بأخذ بعض النقاط ثم قمت بتحريكها وفق حركة بيولوجية، سوف تتمكّن دوائر دماغنا على الفور من فهم ما يجري. الآن لدينا مجموعة من النقاط المتحركة. سوف تتمكّنون من معرفة ما يفعله هذا الشخص، سواء أكان سعيدا، حزينا، كبيرا، شابّا -- كمية هائلة من المعلومات. إذا كانت هذه النقاط تمثّل سيارات تسير على حلبة السباق، لن يكون لديك مطلقا اي فكرة عما يحدث.
فلماذا نتحرّك بتلك الطّريقة الخاصّة بنا؟ دعونا نفكر في ما يحدث حقا. ربما لا نتحرّك جميعنا تماما بنفس الطريقة. ربما هناك تباين بين الأشخاص. وربما كان أولئك الذين يتحرّكون على نحو أفضل من غيرهم لديهم فرصة أكبر لإيصال أبنائهم إلى الجيل القادم. في سلّم التطوّر، تتحسن الحركات. وربما في الحياة، نحصل على حركات أفضل من خلال التعلم.
فمالذي يجعل حركة جيدة أو سيئة؟ تخيل انّي أريد اعتراض هذه الكرة. لدينا هنا مسارين ممكنين للكرة. إذا قمت باختيارالمسار المقابل لليد اليسرى، أستطيع حساب القوّة المطلوبة في أحد عضلاتي بوصفها دالة في الزمن. ولكن هناك ضجيج وأضاف على ذلك. ما أحصل عليه في الواقع، بالإعتماد على هذه القوّة الرائعة، السلسة، المطلوبة، هي نسخة مشوّشة جدّا. فإذا قمت بإعادة نفس الأمر عدة مرات، فسوف أحصل في كل مرة على نسخة مختلفة مشوّشة، لأن التشويش يتغيّر في كل مرة. ما يمكنني أن أريكم هنا هي كيف سيتطور تغيّر الحركة إذا اخترت هذا الطريق. إذا اخترت طريقة مختلفة للحركة -- إلى اليمين على سبيل المثال -- ثم سأحصل على أمر مختلف، وتشويش مختلف، لعب من خلال نظام مشوّش ومعقد للغاية. كل ما يمكن أن نكون متأكّدين منه هو أنّ التغيّر سيكون مختلف. إذا قُمْتُ بالتحرك بهذه الطريقة الخاصة، سأنتهي مع أصغر تغيّر عبر العديد من الحركات. لذا إذا كنت مخيّرا بين هذين، فسأختار الأيمن لأنه أقل تغيّرا.
والفكرة الأساسية هي أنّك تريد تنظيم حركاتك بحيث تحدّ من النّتائج السلبية للتشويش. وإحدى البديهيّات التي نحصل عليها هي أنّه تغيّر كمية التشويش في الواقع التي أعرضها هنا تَكبر كلّما كَبُرت القوة. لذلك ترغب في تجنب القوات الكبيرة بصورة مبدئيّة. لقد أظهرنا أنه باستخدام هذا، يمكن أن نفسر كمية هائلة من البيانات -- انّ الناس يعيشون حياتهم بتخطيط الحركات وذلك بهدف تقليل الآثار السلبية للتشويش.
لذا آمل أن أكون قد قمت باقناعكم بأنّ الدماغ موجود ويتطوّر للتحكّم في الحركة. وأن فهم الكيفيّة التي نفعل بها ذلك يُشكّل تحديّا فكريّا. لكنها أيضا ذات صلة بالمرض وإعادة التأهيل. هناك العديد من الأمراض التي تصيب الحركة. ونأمل أنّنا إذا تمكّنا من فهم كيفيّة سيطرتنا على الحركة، فسنستطيع أن نطبق ذلك على تكنولوجيا الروبوت. وأخيرا، أودّ أن أذكّركم، عندما تشاهدون الحيوانات تقوم بما يبدو وكأنها مهام بسيطة للغاية، أنّ درجة تعقيد ما يجري داخل دماغها هو حقا مثير للغاية.
كريس اندرسون : سؤال سريع لك، دان. إذن أنت بالنسبة للحركة -- (د. و. : شوفينيّ) -- شوفينيّ. هل يعني ذلك أنك تعتقد أن أشياء أخرى نعتقد أدمغتنا هي المسؤولة عنها -- الحلم، التّوق، والوقوع في الحب وجميع هذه الأمور -- هي نوعا ما حدث جانبيّ، مجرّد حادث؟
د. و.: لا، لا، في الواقع اعتقد أنّها جميعا هامة لتتحكّم في سلوك الحركة السّليمة للحصول على التكاثر في نهاية المطاف. لذا أعتقد أن الناس الذين يدرسون الإحساس أو الذاكرة دون أن يدركوا لماذا نضع جانبا ذكريات الطفولة. حقيقة أننا ننسى معظم طفولتنا، على سبيل المثال، لا يشكّل عائقا، لأن ليس لها تأثير على حركاتنا في وقت لاحق في الحياة. نحتاج فقط لتخزين الأشياء التي لها حقا تأثير على الحركة.
ك. أ. : إذا أنت تعتقد أن الناس الذين يفكّرون في الدماغ، والوعي بصفة عامة، مكنهم الحصول على رؤية واقعية بقولهم : أين دور الحركة في هذا؟
د. و. : اكتشف الناس على سبيل المثال أنّ دراسة البصر في غياب ادراك لماذا لدينا بصر هو خطأ. عليك دراسة البصر مع إدراك كيف يمكن لنظام الحركة أن يستخدم البصر. وهو يستخدمه بشكل مختلف جدا بمجرّد ما تفكّر فيه بهذه الطريقة.
You can share this video by copying this HTML to your clipboard and pasting into your blog or web page. This video will play with subtitles.
You either have JavaScript turned off or have an old version of the Adobe Flash Player. To view this rating widget you
need to get the latest Flash player.
If your browser allows only "trusted sites" to execute Javascript, you should add the "googleapis.com" domain to your whitelist to allow our Flash detection to work properly.
Got an idea, question, or debate inspired by this talk? Start a TED Conversation.
ينطلق عالم الأعصاب دانيال ولبرت من فرضية مفاجئة : يتطور الدماغ، ليس للتفكير أو للشعور، ولكن للتَّحكم في الحركة. في هذا الحديث المُسَلّي والغنيّ بالبيانات، يعطينا لمحة عن كيفية عمل الدماغ لخلق جمال وسلاسة الحركة البشرية.
A neuroscientist and engineer, Daniel Wolpert studies how the brain controls the body. Full bio »
Translated into Arabic by Mohamed Achraf BEN MOHAMED
Reviewed by Anwar Dafa-Alla
Comments? Please email the translators above.
16:22 Posted: Jul 2008
Views 303,344 | Comments 83
19:24 Posted: Nov 2007
Views 341,536 | Comments 25
12:58 Posted: Aug 2011
Views 976,604 | Comments 290
Just follow the guidelines outlined under our Creative Commons license.
This comment will be attributed to . Not ? Sign Out.